شعار قسم مدونات

الإنتاج الإخباري.. إلى انحسار؟

منذ أن اجتاحت وسائل الاتصال الحديثة العالم العربي، واستحوذت مواقع التواصل الاجتماعي بعد ذلك، مثل "فيسبوك" و "تويتر" على عقول وأفئدة شبابه كما شيّابه في آن واحد، وأضحت تطبيقاتُ الصّور ومقاطع الفيديو القصيرة مثل "انستغرام" و "سناب شات"؛ شاهدةً على يومياتهم، أضحت الحاجة إلى وسائل الإعلام التقليدية، أو تلك التي تُعرف بالإعلام الثقيل، أكثر انحسارا لمعرفة الأخبار، ذلك لأن استقاءَها (الأخبار) والمعلوماتِ والصورِ ومقاطع الفيديو، خرج من سطوة وسائل الاعلام الكلاسيكية وأضحى اختصاصا تتقاسمه مع باقي المنصات على شبكة الأنترنت.

أما الهواتف المحمولة التي تحولت بفضل تطور التكنولوجيا وتفوّقها ذكيّةً مرنةً، من الصعوبة بما كان الاستغناء عنها على الإطلاق، حتى تحولت إلى أشبه بعضوٍ من أعضاء جسم الإنسان، يرافقه أينما حلّ أو ارتحلَ حتى في أكثر الأماكن خصوصيّةً، يتفقّده من حينٍ لآخر، يتحسّس جيبه قبل خروجه من المنزل لعلّه نسيه!

مقارنة الوسائط الإعلامية الحديثة بالإعلام الكلاسيكي مقارنةٌ ليست بالعادلة، لأن الأوّل، يمكن اعتباره صناعة قائمةً بذاتها، وفنّا من الفنون التي لا تُضاهيها أية وسائط أخرى

فتفوّقت تلك الشاشة الصغيرة التي لا تتعدّى 5 بوصات في أحسن الأحوال على شاشة التلفزيون، ونجحت في نقل مستعملها إلى عوالم متعدّدة يختارها هو بدقّة وعناية ولا تُفرض عليه مثلما ظلّ التلفزيون لعقود يفرض على مشاهديه برامجه وأخباره ومقطوعاته الموسيقية، التي قد لا تروقُ المشاهد، والتي قد لا تكون ضمن دائرة اهتماماته.

لقد تحولت هذه المنصات إلى أشبهَ بغرفةِ أخبار كُبرى، فأصبح كل من يمتلك هاتفا ذكيًّا أو لوحًا إلكترونيا، قادرًا ليس على استقبال الخبر فحسب، بل قادرًا على صناعته صناعةً كاملةً، حيث بإمكانه نشرُ أخبار منطقته وبلده، والتفاعل مع محتوى تلك الأخبار والمعلومات، وإبداءِ آرائه تأييدًا أو رفضا بمضامينها، كما بإمكانه توثيق الأحداث عن طريقِ نشر الصّور ومقاطع الفيديو، التي كانت يومًا ما، حكرا على الجرائد أو التلفزيونات، لمشاركتها هي الأخرى مع الأصدقاء والمتابعين.

وبرزَ دور هذه المنصّات خلال موجة "الرّبيع العربي"، التي لولاها، لوُئدت تلك الثورات في مهدها، أمام تعتيمٍ ظلت النظم الاستبدادية العربية تمارسه على الأحداث لعقود طويلة من الزمن، وخنقٍ متعمّد للمادّة الإعلامية، حينها لم يكن أحدٌ ليجرأ ليكشف ما وراءَ تلك الحدود المغلقة، إلّا هذه الوسائط الجديدة العابرة للحدود، المُخترقة لكلّ ذي حجاب، هذه الوسائط التي أطلعت العالم على فضاعة ما كانت تغرق فيه البلاد العربية، من استبدادٍ ودكتاتورية، من ترويع باسم "أمن البلد" واستقراره.

إنّ جلّ ما ذُكر سابقا، لاشكّ أنه يصبّ في صالح المتحمسّين لفكرة الإعلام البديل، لاسيما وأن فُرَصَ تطوّره لازالت قائمةً مرهونةً بالتطور التكنولوجي، الدّاعين بتطرّفٍ إلى إلغاء الإنتاج الإخباري التلفزيوني، المتسائلين عن جدوى نشرات الأخبار في ظل تدّفق المعلومات والأخبار والصّور ومقاطع الفيديو المختلفة عبر وسائط أخرى، وظهور فكرة "المواطن الصّحفي" الذي يُنتج المعلومة بنفسه ولنفسه، وينشرها عبر مختلف الوسائط، سابقًا بذلك القنوات التلفزيونية في بث الأخبار والصّور، ففكرة انتقاء مذيعات حسنوات لقراءة نشرات الأخبار، وتجهيز استديوهات ضخمة بملايين الدولارات وفتح مناصبَ عملٍ للصحافيين والمراسلين، تبدو فكرة "حمقاء" إذا ما قارنا بين الأمرين.

لكنّ المقارنة بين شيئين اثنين ليست دائما مُوفّقة، خاصّة إذا تمّت المقارنة بين شيئين غير متجانسين، حينها لابّد وأن الظلم واقع لا ريب على أحد الأمرين الموضوعين للمقارنة.

بما أنّ المنتوج الإعلامي، يعدّ عملًا فنيا أساسًا، فإن التكنولوجيا وتطوّرها لن يطمسانه أبدًا، لأنّ الفنون باقية بقاء الإنسان

إنّ مقارنة الوسائط الإعلامية الحديثة بالإعلام الكلاسيكي –لا سيما– في جزئية الإنتاج الإخباري، مقارنةٌ ليست بالعادلة على الإطلاق، فضلا عن المقارنة بالإنتاج البرامجي أو السينمائي، ذلك لأن الأوّل، في نظري على الأقل، يمكن اعتباره صناعة قائمةً بذاتها، وفنّا من الفنون التي لا تُضاهيها أية وسائط أخرى.

ومن الطّبيعي أن تُجنّد لهذه الصّناعة كلّ الإمكانيات المتاحة لإنتاج مادّة إعلامية تقوم أساسا على الكيفية وليست على الكميّة، بمعنى آخر، إن الصور التي تظهر عبر الكاميرات الاحترافية، والقصص التي تُروى عبر تلك المنتجات الإعلامية، إنّما هو منتوج فنّي قبل أن يكون مادة إعلامية أو مقابلًا ماديا.

بما أنّ المنتوج الإعلامي، يعدّ عملًا فنيا أساسًا، فإن التكنولوجيا وتطوّرها لن يطمسانه أبدًا، لأنّ الفنون باقية بقاء الإنسان، فلا التكنولوجيا طمست الموسيقى مثلا، إنما ساهمت في تطورها وانتشارها، ولا ألعاب الفيديو تمكّنت من طمس السينما، ولا السينما ذاتُها تمكنت من طمس المسرح، إنما الكلّ منتوج إنساني في خدمة الإنسان، وكلها باقية بقاء الإنسان على سطح هذه المعمورة.

لذلك، فإن الانتاج الإخباري التلفزيوني إلى انتشار، وليس إلى انحسار!