هم تسابقوا.. وأنا فزت! قصة واقعية

دعونا من السياسة وبؤسها ومناكفاتها، ما رأيكم في حكاية من الواقع قد تثير أملا لدى اليائسين و تنعش رجاء من ضاقت بهم سبل البحث عن وظيفة، فضلا عن بعض دروس وشجون ربما تحتويها؟

الزمان قبل ربع قرن، والمكان في القاهرة وبالتحديد صحيفة الجمهورية حيث أعمل صحفيا متدربا بانتظار فرصة توظيف مأمولة.

علم الشباب أن سفارة عربية بالقاهرة تحتاج صحفيا، وكلهم سارعوا بتقديم طلبات التحاق وتعاهدوا أن يظل الأمر سرا كي لا تخرج الوظيفة عن أحدهم.

فجأة بدأت ألحظ الزملاء يتهامسون، رغم أننا اعتدنا أن نتشارك علانية كل المعلومات والأفراح والأحزان على مدى ساعات العمل اليومي.

كنت أقترب فيوقفوا حديثهم أو يغيّروا موضوعه، حتى جاء يوم ووجدت الرفاق عادوا لسالف عهدهم في النقاش العلني لأفهم سر ما خفي عني أياما ولم أستطع عليه صبرا.

لقد علم الشباب أن سفارة عربية بالقاهرة تحتاج صحفيا، وكلهم سارعوا بتقديم طلبات التحاق وتعاهدوا أن يظل الأمر سرا كي لا تخرج الوظيفة عن أحدهم، وكي لا تتسع الدائرة فتضيق الفرصة.

سألته أقربهم لي مستنكرا: وهل كان يضيركم لو أخبرتموني وأصبح المرشحون عشرة بدلا من تسعة؟
لم تفلح محاولات صديقي للتلطف والتبرير فاضطر لإخراج ورقته الحاسمة وسألني: بذمتك ألم تكن ستخبر كل أصدقائك بالأمر إذا أخبرناك وبالتالي يصبح المتنافسون على الوظيفة بالعشرات؟
أجبته مباشرة: نعم كنت سأفعل لأني أؤمن أنه رزق يؤتيه الله من يشاء. كانت إجابتي كافية ليختفي شعور الحرج لدى الأصدقاء ويدركوا أنهم تصرفوا بما يجب مع ساذج مثلي.

في الأيام التالية بدأ الأصدقاء يتحدثون عن ذهابهم لتلك السفارة وإجرائهم لامتحانات ومقابلات شخصية، وبدا عليهم الترقب مع قرب الإعلان عن سعيد الحظ الذي سينال الوظيفة ذات الراتب الدولاري.

ذات يوم ذهبت إلى مدينة المهندسين تلك الضاحية الراقية بالقاهرة الكبرى لقضاء حاجة قصدني فيها أحد الأصدقاء من محافظتي الريفية، وبعد قضائها سمعت أذان الظهر ينطلق من مئذنة عالية قريبة فذهبت صوبها، وأديت الصلاة وعند خروجي تفاجأت بأن البناية التي أمامي هي نفس السفارة التي تحتاج إلى الوظيفة.

بعد تردد قررت دخول السفارة رغم إدراكي أن لا أمل، وبالفعل سألت موظف الاستقبال، فقال لي: لقد جئت متأخرا جدا، فات الوقت.

شكرت الرجل صاحب الوجه الطيب وقلت مبتسما: لا بأس، فما هي إلا أقدار، وخيرها في غيرها كما يقول المثل المصري.

تحركت نحو الباب مغادرا، فتفاجأت بالرجل يطلب مني الانتظار، ثم أمسك بالهاتف وسمعته يحدث طرفا آخر ويرجوه أن يأتي ليقابل هذا الشاب الذي يبدو طيبا ومتمكنا، هكذا قال لا أدري لماذا!.
دقائق قليلة وجاء صحفي فهمت أنه يعمل منذ سنوات في هذه السفارة، وأن الوظيفة المطلوبة هي لصحفي شاب يشاركه العمل الذي يقوم به.

تحدث معي الرجل للحظات سألني فيها فقط عن اسمي ومؤهلي وعن القسم الذي أتدرب به في الصحيفة، ولم يكمل أسئلته الاستكشافية حيث أوقفه موظف الاستقبال وأخبره أن المستشار الإعلامي يبحث عنه لأمر هام ويشعر بالاستياء لأنه ترك مكتبه وذهب إلى غرفة الاستقبال في مدخل السفارة دون داع.

تركني الرجل دون وداع وذهب إلى الهاتف في هلع، فقد عرفت لاحقا أنه نموذج في الحذر والطاعة العمياء للرؤساء، وعندما رد على محدثه كانت المفاجأة الكبرى عندما سمعته يبرر مغادرته لمكتبه بأنه عثر على كنز يريد أن يهديه للمستشار الإعلامي!

فجأة وجدت نفسي أدخل السفارة رفقة صاحبنا ونصعد للدور العلوي لأجد نفسي وجها لوجه مع المستشار الإعلامي الذي وجدته شخصا حاد الطباع عكس المشهور عن مواطني هذه الدولة الشقيقة.

لم يعجبني التعالي الذي حدثني به الرجل، ربما يرى ذلك طبيعيا بالنسبة له كدبلوماسي في مواجهة شاب حديث التخرج، لكني لم أوافقه الرؤية ولذلك حسمت أمري ورددت عليه بشكل جاف معتبرا أن حظي من زيارة السفارة سينتهي عند هذا الحد ولا يجب أن أضيّع فرصة التعامل بالمثل مع رجل ذي شأن.

سألني بصرامة: هل تجيد الإنجليزية؟ فرددت ببرود: هل تريد لمن درس العلوم السياسية ويعمل بالصحافة ألا يجيدها؟ فأخرج لي ورقة من درج مكتبه وطلب مني أن أترجمها له فشرعت في ذلك.
لكن الرجل تجاهلني فجأة وانشغل بمطالعة أوراق على مكتبه فتوقفت فورا عن الترجمة فاستنكر ذلك وطلب مني أن أكمل، فرفضت وقلت له إني أقوم بالترجمة كي يقوم هو بالتقييم وما دام قد انشغل عني فلا داعي لأن أواصل.

وجّه الرجل إليّ نظرات حادة وقال إنهم يريدون صحفيا متفرغا وبالتالي إن أردت الوظيفة فعلي أن أترك أي أعمال أخرى على الفور. ورغم أن هذا الطلب كان يعني أنه بات يفكر في اختياري إلا أنني واصلت استنفاري تجاهه وقلت له إن من حقه فقط أن يحاسبني على ساعات الدوام ولا دخل له بما سأفعله بعد ذلك.

استشاط الرجل غضبا، وقال إنه استقبل كثيرا من المرشحين لهذه الوظيفة وكلهم تعهدوا بترك أي أعمال أخرى، فقلت له بهدوء، لا دخل لي بهم وإن كنت أعتقد أنهم لن ينفذوا ما وعدوا به على الأقل في الفترة الأولى، أما أنا فأفضل أن أكون صريحا وواضحا.

امتد صمت الرجل هذه المرة للحظات ثم باغتني متسائلا: ما هو الراتب الذي تتوقع أن تحصل عليه إذا فزت بهذه الوظيفة؟
حتى هذا السؤال لم يكن كافيا لأغير لهجتي تجاه رجل لم أحبه من البداية، فأجبته بأني لا أفضل مثل هذه الأسئلة، وأرى أن عليه هو أن يعرض الراتب ويترك لي القبول أو الرفض.

حاولت التقاط أي شئ من مكالمات هاتفية أجراها السكرتير فلم أستطع، وبدأت أشعر بالإثارة والترقب.

كأني كنت أريد أن أشعر أني أغضبت هذا الرجل المستفز لكنه لم يعطني الفرصة حيث قال لي: نحن ندفع لمن يشغل هذه الوظيفة 200 دولار فما رأيك؟

بسذاجة ريفي قلت له على الفور إنه مبلغ جيد بالنسبة لي، بل إنه أكبر مما كنت أتوقع. فابتسم للمرة الأولى وقال لي إذن نجعله 150 دولارا، فقلت له إني لن أقبل ولا حتى بـ 199 دولارا لأني أعتقد أن هذا التخفيض لو كان جادا فمعناه استخفاف بي لا أقبله.

اكتفى الرجل بذلك على ما يبدو وطلب مني أن أذهب إلى سكرتيره دون أن يخبرني بشئ، فخرجت إلى المكتب الآخر ليطلب صاحبه مني الجلوس دون أن يخبرني بأي شئ لفترة استمرت نحو ربع الساعة، وكلما استأذنته في الانصراف طلب مني البقاء.

حاولت التقاط أي شئ من مكالمات هاتفية أجراها السكرتير فلم أستطع، وبدأت أشعر بالإثارة والترقب، لدرجة أن ظنوني وصلت إلى حد توقع أن أجد أمن السفارة وقد وصل كي يلقيني خارج السفارة عقابا على أسلوبي الجاف مع ذلك الدبلوماسي.

بدأت أفكر في كيفية التصرف لو حدث هذا، لكن شخصا دخل الباب وقطع علي حبال الخيال الساذج، قائلا: أنت أنس؟ قبل أن أرد واصل الرجل الذي بدا عليه الاندهاش: أنا فلان المحاسب: تعالى إلى مكتبي كي توقع عقد الوظيفة الجديدة.

ذهبت معه وأنا أحاول تجاوز مشاعر الصدمة، وعندما وصلنا إلى مكتبه كنت على موعد مع مفاجأة أخرى: لقد أخبرني أن المستشار الإعلامي قرر التعاقد معي براتب 250 دولارا وليس مئتين فقط.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يستعد السجين السابق في غوانتانامو المدير الحالي لمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان سامي الحاج لإصدار كتاب جديد له بعنوان "غوانتانامو.. قصتي"، وهذه إحدى فقرات هذا الكتاب المثير.

الأكثر قراءة