ماذا لو كان ترامب هو الحل!

لا اللغة كانت حافزا ولا التاريخ ولا التقاليد ولا حتى الدين، ما يوحد العرب هو خطر أجنبي، يجتاح الأمة أو نصفها الكبير، كما وقع في الحروب الصليبية وحرب التتار وغيرهم، وقد فطن الغرب لهذا يوم فرق الدولة إلى دوليات، وأخذ كل دولة على حدة، وعلى حين غرة.

ولعل ترامب هوالحل، هو هولاكو العصر الذي على يده يصبح المسلمون عدوا واحدا، ويُحَارَبُونَ جُمْلَةً واحدة، ولعل القدر يُعِدُّهُ لهذا الأمر، ويُعِينُهُ عليه، فقد بات جليا أن الرجل يحارب الكل، ومع ذلك شعبيته تزيد، وفوزه على كل المرشحين الجمهوريين وتمثيله لحزبه، خير دليل على حظ الرجل، كأني به يلقى في واد ويخرج سليما وفي يده سمكة.

إن لم يحركنا الدين، فلا محرك لنا سوى ضربة تهز كياننا وتؤجج آلامنا، وذلك شيء وعاه طغاتنا على جهلهم، فتجد السيسي مثلا على طغيانه يعجز عن إعدام مرسي.

بعد مناظرته الأخيرة، شاهدت برنامجا كوميديا، حاول تقليد المرشحين، وحاول إظهار ترامب على أنه معتوه، لا يرى سوى العنصرية، ولا تحركه سوى النرجسية الأمريكية، فكان التعليق الساخر من كلينتون أو الشخصية الكوميدية المجسدة لها معبرا، حيث طُلِبَ منها أن تُعَقِّب على تدخل ترامب فأجابت: "ما يسعني أن أقول سوى أنني سأصبح رئيسة لأمريكا".

الكل يزدريه ويحط من قيمته، وفي نفس الوقت الكل يتساءل كيف وصل إلى مرحلة متقدمة كهذه، في دولة ديمقراطية، أو شبه ديموقراطية كأمريكا، ولعل الشر قد أصبح موضة، وقد عرف كيف يستميل الجماهير، حين عزف على وتر الحلم الأمريكي، وعظمة أمريكا الاقتصادية، وإعادة الاعتبار لها، كدولة رائدة تسود العالم ككل، بدون منازع اقتصاديا وعسكريا.

أستحضر هنا رمزا من رموز الشر الأزلي، ماكيافيلي، وهي للأمانة مقارنة مُجْحِفَةٌ في حق ماكيافيلي، إلا أنه يتفق مع ترامب في المُحَفِّز والسبب وراء اندفاعهم إلى الشر، حيث يحلم كلاهما بإعادة مجد دولتهم الضائع، حتى ولوعلى حساب الأخلاق، ماكيافيلي الذي انتهج في ذلك الحيلة والسطو، في الخفاء وبسرية تامة، بينما انتهج ترامب الهمجية والغوغاء، والعشوائية المنظمة ربما، ولعل هذا ما يطلبه أبناء هذا الجيل، وهذه هي قواعد اللعبة الجديدة.

فالديمقراطيون ينحون منحى إبليس، يضربون ضربات مجزأة هنا وهناك، ضربات على ما فيها من ملايين الضحايا، تعتبر خفيفة على ضمير عربي أثقله السبات، تماما كما يفعل الشيطان، فما دمت تُؤْتِي الذنوب وتداوم عليها، يبتعد عن إيقاعك فيما هوأكبر، حتى لا ينضح إيمانك، أو ما تبقى منه، بماء بارد فيستفيق، أما ترامب فلا يبالي، ولا يَحْكُمُ تصرفاته منطق حيلة وكر وفر، إنما أراه يضرب ضربة واحدة على كل الجبهات، ويجمع الكل في سلة واحدة، أو على الأقل هذا ما يبديه خطابه العدائي الممنهج.

وما قانون جاستا ببعيد، جاستا ذلك المؤشر البارز على نجاح سياسة الانغلاق، التي يقودها ترامب ضد الدول الأجنبية، مؤشر بارز على خلق جو عام من العدائية والعواطف الشوفينية البدائية، التي لا تَمُتُّ للعقل بصلة، وتُحَرِّك الجماهير نحو قومية فوضوية، تُدَغْدِغ حلم كل أمريكي غيور على بلده، يفتخر بنشأته في بلد كانت ولا زالت تعتبر نفسها تعتلي عرش الاقتصاد العالمي، على الرغم من مديونيتها التي تفوق العشرين تريليون دولار.

إن صحت النبوءة أن يصبح ترامب رئيساً، سيولد من رحم فتن العرب من يوحد صفوفهم، ويقوي شوكتهم، ويجمعهم على عدوهم.

انقياد الكونغرس ممثل الشعب الأول وراء سياسات ترامب، بنتيجة تصويت كاسحة، مكنت من إسقاط فيتوأوباما، هو ضربة شبه قاضية للديمقراطيين، وبزوغ جلي لتيار ترامب في الكونغرس، من جهة، تُعَبِّر عن ما يريد أغلبية الشعب الأمريكي، وتُمَكِّن في نفس الوقت أولئك المناهضين أو المذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء من اللحاق بركب ترامب، وتعزير قوميته وسلطته على مؤسسات القرار في أمريكا، بطريقة مشروعة، أو بشتى وسائل الضغط الممنهجة.

عندها تصبح تجاوزات ترامب منها تلك التي تفضح سجله الضريبي، تجاوزات مقبولة، يتغاضى عنها الشعب في سبيل إعلاء راية بلاده المنكوسة، وما يسري على العرب، يسري على الأمريكيين، فقد غض البصر العرب عن تجاوزات جمال عبد الناصر، حين دعاهم إلى قوميته المزعومة، كما صبر الإسبان على القومي فرانكو، والإيطاليون على موسوليني، والألمان على هتلر، وغيرهم كثير.

ولا يوقظ العرب إلا سقوط كلي، خطر شامل يضرب المشرق والمغرب، ضربة واحدة ما لها إلا الفواق، استعمار كلي واضطهاد عسكري شامل، أو ضربة كنسف الأقصى، أو قصف الكعبة لا قدر الله، ذلك وحده من شأنه أن يحرك الشعوب العربية، أو لك أن تقول لا يوقظ العرب إلا الإسلام، فنحن قوم لا نبتغي السياسة ولا نتقن لعبتها، أبجدية الدولة ومؤسساتها لم تُخْلَق لنا، فإن لم يحركنا الدين لا محرك لنا، سوى ضربة تهز كياننا وتؤجج آلامنا، وذلك شيء وعاه طغاتنا على جهلهم، فتجد السيسي مثلا على طغيانه يعجز عن إعدام مرسي.

فإن صحت النبوءة يصبح ترامب رئيسا، وحلا لابد منه بعد أن استنفذنا كل الحلول، فيسطو ويسفك الدم ويعادي كل الأقليات، ويعمق الفجوة بين البيض والسود، ويزيد من بؤس المسلمين، وتَشَتُّتِهِم أضعاف أضعاف، ويُسَرِّعُ وتيرة الانفجار، الناتج عن الظغط المتزايد المستمر، فالعنف يولد العنف، والتهميش يولد الحقد، فتولد طوائف أخرى، كداعش والنازية من قبل، ويولد من رحم فتن العرب من يوحد صفوفهم، ويقوي شوكتهم، ويجمعهم على عدوهم، ولعمري إنه لحلم جميل، على ما فيه من دم وسنوات رصاص كئيبة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت مصادر بتل أبيب إن إسرائيل لن تسمح لسفينة زيتونة بكسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، وإن سلاح البحرية الإسرائيلية سيعترضها في عرض البحر وسيقوم بجرها إلى ميناء أسدود.

رفضت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قرار الحكومة الفلسطينية اليوم الثلاثاء تأجيل إجراء الانتخابات البلدية أربعة أشهر، بعد أن كانت مقررة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

قال مؤسس موقع "ويكيليكس" جوليان أسانج اليوم الثلاثاء بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس الموقع إنه سينشر نحو مليون وثيقة مرتبطة بثلاث حكومات، وبالانتخابات الرئاسية الأميركية قبل موعدها المرتقب.

الأكثر قراءة