لَمَجَ الضُرجُعُ لحم الشادن!

العربية ذلك البحر العظيم الغني بالكنوز والجواهر والمفاخر، جالت فيها سفن الأدباء وأبحرت فيها قوارب الفصحاء، فتاهوا في عظمتها وغرقوا في وقارها، وتلاطم شغفهم مع أمواج جلالها. 

بحثوا في بحرها عن كنوزها ونقبوا بشغف عن دُررها فأبهرهم لمعان حروفها الدُرية وسحرتهم تراكيب كلماتها البارعة ودهشتهم دقة أوصافها وفتنتهم بغموضها وسعة بحرها العظيم. 

جابهت بعراقتها المحرفين وقاومت بعزتها المعاندين ووقفت صامدة كالجبل الأشم أمام رياح دُعاة التغريب وصدتهم بأنفتها وعلو شأنها، كيف لا تكون عزيزة وهي لُغة القرآن العظيم الذي نزل به الروح الأمين بلسانٍ عربيٍ مُبين على النبي الأُمي المبعوث رحمةً للعالمين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.

لغتنا العربية وصفٌ دقيق وتعبيرٌ مُتقن وحروفٌ ناعمة تقع على الأسماع فتأسر الوجدان وتطمُسُ الأوجاع.

ولأنها بحرٌ عظيم فهي صاحبةُ أضخم عدد من الكلمات من بين كل اللغات حيث تخطى عددها الملايين من الكلمات الرقيقة المُبهرة والمصطلحات الساحرة المبينة، ويرى بعض أهل اللغة أن بحر كلماتها فيه أكثر من اثني عشر مليون كلمة دون أن تترك مجالاً لأي لغة للمقارنة معها. 

ومن دقة وصفها أنها تصف المشاعر بإتقان عجيب، فالحب فيها ليس درجة واحدة فقط ولا يكفي أن يقول المحُب لمحبوبه (أنا أحبك) لكي يعبر عن كامل حبه الكامن في أعماق فؤاده، لا، فالحب في العربية يبدأ بالهوى وهو أدنى درجات الحب إلى أن يصل إلى الهيام وهي أرقى درجات الحب فيها، وما بين الهوى والهيام يتيه العقل في مقامات الحب الكثيرة ويرتبك الفؤاد في تراكيبها المُبهرة، فمن الهوى إلى الصبوة ثم الشغف وبعدها الوَجدُ والكُلف و… إلى أن تصل بقلبك للهيام. 

ولا تتوقف العربية عند وصف المشاعر فقط، بل تُبهرك بوصفها البارع للأبدان والأخلاق، فالمرأة صاحبة الخُلق الحسن تُسمى الخود، أما الجميلة التي تأسر ألباب الرجال فُتسمى الوضيئة، وصاحبة الدهون المتراكمة التي يرتج بدنها حينما تسير يطُلق عليها البُرمادة، وغيرها الكثير من الأوصاف البديعة الدقيقة.
 
ولم تُغفل العربية أوصاف الخيل، وكيف تُغفلها والخيل معشوقة فرسان العرب وموطنٌ لفخرهم وعلى أظُهرها جابوا العالم وجابهوا الأعداء والدُخلاء. 

فالخيل الحديث الولادة يسميه العرب مُهراً، وإذا بلغ الأولى أطلقوا عليه حَولي، ومن السنة الثانية وحتى يبلغ الخامسة يطلق عليه على الترتيب جَذْعاً ثِنْيِاً رَباعاً قادحاً، وإذا وصل إلى الرابعة عشرة من عمره سموه مُذَكّى إلى آخر لحظات حياته.
 
أيُ لغةٍ خلابة أنتِ أيتها العربية، بل سحرت بروعتكِ مستشرقة ألمانيا زيغريد هونكه التي تعلمت العربية وأتقنتها فقالت: "كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرَها الفريد، فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة".

لُغتنا العربية وصفٌ دقيق وتعبيرٌ مُتقن وحروفٌ ناعمة تقع على الأسماع فتأسر الوجدان وتطمُسُ الأوجاع. 

ولو لم تكن العربية لغةً خلابة آسرة ومُحكمة الألفاظ ومضبوطة المصطلحات لما نزل بها القرآن العظيم مُتحدياً به فُصحاء العرب وأصحاب الألسن الذرِبة في ذلك الوقت وكل وقت إلى قيام الساعة.

ما زلنا على أطراف شواطئ بحر العربية العظيم، لك أن تتخيل أن للأسد ما يزيد على الثلاثمئة اسم والعرب في وقتنا لا يعرفون منها سوى كلمة أسد وفي أحسن الأحوال ضرغام! 

وكثير من تلك الأسماء يظن المُطلع عليها أنها مجرد تُرهات أو ترانيم مشعوذات بينما هي كلمات بليغة من اللغة العربية الفريدة كالعرندس ودَوْكَس وهِبْرِزِيّ وبَهْنَس وغيرها حتى تتخطى الثلاثمئة اسم، وكلها تدل على الأسد، بل بالغ بعضهم حتى قال إن للأسد ألف اسم!

أما عن العنوان المُبهم الذي اخترته للمقال وهو (لَمَجَ الضُرجُعُ لحم الشادن) فهذه ليست هرطقات كما سيظن البعض، بل معناها بسيطٌ جداً إنما مبناها غريب اللفظ ومعناها (أكل النمر لحم الغزال). 

من ذا الذي يستغرب عشقي للعربية؟
أما الشعر والقصيد الذي يتفاخر العرب به وكان من شدة ألفاظه وبأس كلماته أن تسبب بالحروب التي سالت فيها الدماء وتناثرت فيها الأشلاء وتناحر فيها الأقرباء كأنهم أعداء وفرق بين الأشقاء، وعلى النقيض كان يبهج القلوب بجماله ويُسكر العقول بسحره ويُحلق بالروح إلى السماء لتعانق نجومها البراقة وكواكبها الخلابة
وإليكم هذا البيت المدهش الذي يُنسب للمُتنبي:
أَلَمٌ أَلَمَّ أَلَمْ أُلِمَّ بِدَائِهِ …… إِنْ آنَ آنٌ آنَ آنُ أَوَانِهِ
تركيبةٌ مُتشابهةٌ في الحروف ومُختلفةٌ بالمعاني بفتنة التشكيل على الحروف رغم تطابق المباني ولن أنطلق في شرحه وتفصيله لأنه موجود بكثرة على الشبكة العنكبوتية.

تستطيع العربية بكل سهولة مُجاراة العلم والعلوم، وتقديم مصطلحات دقيقة الوصف سلسة التمثيل، والكلام حول أن العربية لا تستطيع ذلك جنايةٌ غريبة غير صحيحة البتة.

فهذا ابن بلاد العطور المستشرق لويس ماسينيون يصف العربية بقوله: "استطاعت العربية أن تبرز طاقة الساميين في معالجة التعبير عن أدق خلجات الفكر سواء كان ذلك في الاكتشافات العلمية والحسابية أو وصف المشاهدات أو خيالات النفس وأسرارها.. واللغة العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي.. والعربية من أنقى اللغات".

ونرى في وقتنا الحاضر عزوف الناس عن تعليم أبنائهم اللغة العربية الفُصحى وتعزيز هويتهم وانتمائهم لها، وهي مُشكلة تحتاج إلى نظر وتوقف طويل، فكثير من الآباء أصبحوا يفضلون تسجيل أبنائهم في المدارس العالمية التي تُدرس مناهجها بالإنجليزية وتُهمل العربية تماماً، وهذا سيُحدث شرخاً ثقافياً خطيراً في هوية أبنائهم، وبعضهم أصبح لا يكلم أبناءه إلا بالإنجليزية كتلك الأم التي كانت تجلس مقابلي هي وأبناؤها في الطائرة ويمكن تمييز ملامحها العربية من بين ملايين البشر إلا أنها كانت تتحدث معهم بالإنجليزية طوال الوقت!

علينا أن نزرع بذور الفخر بالعربية في نفوس أبنائنا ونسقيها بالعزة وننميها بالمجد لكي تقوم على جذع الكرامة القويم.

ونجد من أصبح يدخل كلمات كثيرة من الإنجليزية أو الفرنسية في لغته العربية من باب التحضر، وهذا فهمٌ سقيم من هذا الجانب إذ لا يوجد رابط بين التحضر وإدخال كلمات أجنبية على اللغة الأم أثناء التحدث مع الآخرين.
 
وكما تنزف شعوبنا العربية والمسلمة دماً وتبكي عيونها دموعاً وتلبس نفوسها ثياب الحزن والعزاء وتتوسد قارعة الموت، تلاقي الحروف العربية نفس المصير إلا أنها ما زالت تقاوم وتجابه الأعداء وتقف صابرة أمام طعنات أبنائها وغدر بني جلدتها وإهمالهم لها. 

علينا أن نزرع بذور الفخر بالعربية في نفوس أبنائنا ونسقيها بالعزة وننميها بالمجد لكي تقوم على جذع الكرامة القويم الذي يصقل شخصيتهم الأبية، فاللغة موضع فخر كل الأمم، ومنذ بدء الخليقة واللغة هي وسيلة التواصل الإنساني المتينة التي تُميز كل أمة عن غيرها. 

إن اللغة ليست مُجرد كلمات وجمل تنطق بها الألسن وتتحرك بها الشفاه، بل هي ثقافة أُمة، هوية أمة، وأساس كل أمة في هذا الوجود، إنها الركن المتين والجذع القويم الذي تقوم عليه الأمم وتنهض.

وصدق الرافعي حينما قال: "ما ذَلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ في ذهابٍ وإدبار".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أطلق مهندس مصري مساعدا شخصيا ذكيا عربيا يعدّ الأول من نوعه لأجهزة أندرويد، ويمكن توجيهه بالأوامر الصوتية باللغة العربية للحصول على أي معلومة أو لتنفيذ أوامر معينة في الهاتف.

وفقا لتقديرات فإن عدد أجهزة إنترنت الأشياء سيبلغ 27 مليارا عام 2025، وستكون اللغة الإنجليزية أساس هذه الأجهزة، ولذلك سيلجأ العرب إلى تقنيات الترجمة، فهل نحن مستعدون لذلك؟

وقعت في مدينة ينغ تشوان عاصمة إقليم نينغشيا ذي الأغلبية المسلمة شمال غرب الصين اتفاقية للتعاون في مجال تعليم اللغة العربية للطلبة الجامعيين إلى جانب تخصصاتهم المختلفة.

التف الجزائريون حول "المعلمة صباح" التي هددت وزيرة التربية والتعليم في الجزائر بإحالتها لمجلس تأديبي، بعد نشرها فيديو تحث فيه طلابها على التحدث بالعربية لأنها اللغة الأكثر ثراء.

الأكثر قراءة