لا تبحث عن السعادة.. فلن تَجِدَها

أذكر أنني في مرحلة الدراسة الجامعية الأولى كنت بانتظار ظهور نتيجتي في نهاية التخصص وكان المعدل الذي أردته متوقفًا على درجة واحدة فقط لأحد الأساتذة اللذين لم أكن على وفاق معهم. كنت جالسة أمام الحاسوب أعيد فتح صفحة العلامات كل دقيقتين في انتظار النتيجة حتى ظهرت أخيراً..

نعم حصلت على العلامة التي أريد ولكن لأستاذ وضعني على حافة التقدير تماماً.. كان يكفي أن تنقصني درجة واحدة فقط وأنتقل إلى تقدير أقل منه. لسبب ما نغصت عليّ تلك الحقيقة وإن كان بدرجة قليلة ولثوانٍ، على الرغم من علمي أنها لن تؤثر في النتيجة النهائية. 
 

تكبر شيئاً فشيئاً وتنسى الرضى وترى كيف يسعد الناس بالفوز والامتلاك.. امتلاك كل شيء، ابتداءً من الممحاة ذات الرائحة إلى سيارة الفيراري..

في المراحل الجامعية التي تلتها تعرضت للكثير من المواقف واستلمت الكثير من الدرجات والنتائج، تعلمت مع مرور الوقت أنه ليس من المنطقي أن أتوقع الكمال، فلست عبقرية زماني حتى لا أقصّر في هذا البحث أو ذاك أو أتلقى تعليقاً من هذا الأستاذ أو تلك البروفسورة عن عملي قد لا يعجبني.. أخذ منّي الأمر وقتاً ولكنني بدأت أتقبل الإخفاق، وأتعامل معه على أنه طبيعة من طبيعات الحياة.. وهو العلامة التي تدل على أنني أسير في طريق ما إلى الأمام، لذلك تظهر الأخطاء.. فنتجاوزها.. ثم تظهر غيرها ربما أصغر قليلاً فنتجاوزها.. وهكذا.. ويمكننا أن نقيس على ذلك كل جوانب حياتنا..

ما لفت انتباهي هو أن الشيء الذي نسعى إليه جميعًا ونكبر ونحن نبحث عنه كما نتعلم ممن حولنا، الذي يسمونه سعادة ويربطونه بأن نحصل على ما نريد، ذلك الشيء كان في الحقيقة منفصلاً تماماً عن المكاسب التي أحققها.. وفكرت: إن كانت السعادة محصورة فقط في الأوقات التي نحصل فيها على ما نريد فسنعيش أعماراً من الكآبة والبؤس.. يملؤها الإحساس بالفقد وربما انتقلت إلى الحقد والحسد لأن غيرنا معه ونحن ليس معنا.. وغيرنا يستطيع ونحن لا نستطيع.. أي سعادة تلك التي نبحث عنها في الامتلاك المطلق الذي لا يشوبه شائبة؟

تعرفت في فترة من حياتي على مفهوم الرضى الذي يدرسونه لنا في المدارس على أنه فضيلة، ويشرحون لنا ضرورة أن يكون عندنا شيء من الرضى فننظر دائماً إلى من هم أقل منا حظاً، وكطفل أنت لا تتفهم أن يطلب منك أحدهم شيئاً كهذا.. فأنت لا تفهم لماذا لا يمكن للأطفال الآخرين أن يحصلوا هم أيضاً على ما يريدون! ثم تكبر شيئاً فشيئاً وتنسى الرضى وترى كيف يسعد الناس بالفوز والامتلاك.. امتلاك كل شيء، ابتداءً من الممحاة ذات الرائحة إلى سيارة الفيراري..

قضيت فترة لا بأس بها أتجاوز الجانب السلبي من الرضى الذي يزرعونه فينا على مدى سنوات، نتعلم فيها أن علينا أن نرضى "بنصيبنا" أن نرضى "بظروفنا" أن نرضى بحالة البلاد وبحالة الناس، ونعيش كما يعيش الآخرون. أعتقد أننا أفقدنا الرضى كل الخير الذي فيه بأن حصرناه على تقبل الهزائم، وعلى النقيض كانت السعادة في الفوز، في الانتصار، في الحياز.. ولا أعرف إن كان ذلك مجهوداً منظماً دعمه أولياء نعمة متعالمين في الدين ومتثاقفون يدّعون الحرص على السلام الداخلي، أم هي حركة اعتباطية جاءت كرد فعل على ما لقيناه من انكسارات.. في كلا الحالتين هو خَبَثْ يحوّل الناس إما إلى كائنات سلبية لا تتفاعل مع شيء طالما أنها تأكل وتشرب وتنام، أو إلى kaonashi يأخذ ويأخذ ويتضخم .. كالثقب الأسود.. لا يشبع لأنه لا يريد أن يستعيد قدرته على الإحساس..

(kaaonashi أو no face هو شخصية يابانية في أحد أفلام المخرج العبقري Hayao Miyazaki، إن لم تكونوا قد شاهدتم الفيلم بعد فأرجو أن تفعلوا وتقرؤوا التحليلات المتعلقة به.. تجربة لابد منها).

لا تبحث عن السعادة فهي بطبيعتها مؤقتة، غريبة، مرتحلة، ابحث عن الرضى، ابحث عن الاطمئنان الذي يمنحه لك.

لنعُد قليلاً إلى الرضى والسعادة.. نحن إذاً نتأرجح بين سعادة لحظية وقتية آنية ورضى يقوم على الاستسلام.. ولكن الحقيقة هي أننا ضحايا هذه الثنائية التي فُرضت علينا فرضاً.. فماذا يحدث لو كان الرضى هو التسليم بأن كل ما يحدث لنا من أخذ ومنح هو جزء من الرحلة الكبيرة، ماذا لو كان الإحساس بالسلام الداخلي ينبع من حقيقة أننا نسعى نحو ما نريد بالطرق السليمة، لا أن نتحصل على سعادة الامتلاك حتى إن كان فيها ظلم أو قهر أو استغلال؟

ماذا يحدث لو فهمنا الرضى على أنه تقبل أننا لسنا كاملين، وأن الحياة التي نعيشها هي نقطة في بحر البشرية، أننا لن نعيش إلى الأبد، أن امتلاكنا لكل شيء لن يدوم وأن ما سيبقى هو كم أعطينا لا كم أخذنا؟ ماذا لو فهمنا أن أداءنا لواجباتنا ومراعاتنا لأماناتنا هو ما سيجعنا ننام مساءً قريري العيون مرتاحي النفوس.. لا أن نجري وراء أهواء الناس.. ولا أن نستسلم لضغوطات نضعف أمامها ثم نضع رأسنا على المخدة ونحن نحمل الغضب لأننا مجبرون.. ولكن الحق أننا جبناء ولم نستطع أن نواجه.. وضعفنا يقتلنا..

أتأمل معكم الآن الكثير مما أقول، أفكر بصوت عالٍ، وأحاول أن أفهم قبل أن أفسر لكم.. ما هو الرضى الذي ينبغي؟ ما هو الرضى الذي تحمله النفوس المطمئنة؟ ما هو الرضى الذي يقودنا إلى إحساس يفوق السعادة ولا ينفيها؟.. ولكنه يبحث عن حقيقة الحياة، لا عن بهرجها وزخرفها الخداع.. لا ليس ذلك الرضى الذي يحدثوننا عنه، ذلك الرضى الذي يقولون بأنه يأتي عندما نتقبل الأمور على ما هي عليه لأن الناس كلها تعيش هكذا، ولا ذلك الرضى الذي يقرنونه بالعجر والفقر والجوع والمرض.. إنه الرضى الذي يأتي بعد أن استنقدنا كل الوسائل لإحقاق الحقّ، فإن أفلحنا نمنا سعداء، وإن أخفقنا نمنا قانعين، ونحن في كل الأحوال راضون.

لا تبحث عن السعادة فهي بطبيعتها مؤقتة، غريبة، مرتحلة، ابحث عن الرضى، ابحث عن الاطمئنان الذي يمنحه لك، لا تبحث عن الأخذ والتملّك..ابحث عن البذل والاستحقاق، لا تبحث عن الاستسلام.. ابحث عن المواجهة، لا تبحث عن السكون..ابحث عن الحركة، لا تكتفِ بالانتصارات الصغيرة..ابحث عن النهايات الكبرى.. ابحث عن الرضى بعد السعي، والرضى دون فقدان الأمل.. الرضى قبل الوصول وبعده.. والرضى عند استحالته.. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأحداث الحزينة -كفقدان عزيز- يمكن أن تسبب حالة تعرف طبيا بمتلازمة القلب الحزين التي يشعر فيها الشخص بما يشبه النوبة القلبية، ويمكن أن تكون الحالة مميتة إذا لم تعالج بسرعة.

يقال في مجتمعاتنا العربية إن "الدراهم مراهم"، وتسمي بعضها الأموال بـ"الضحاكات"، وقد صدرت دراسة حديثة تفسر التسمية والمقولة، وتبرر ربط النقود بالسعادة.

الأكثر قراءة