كلنا فاسدون!

من أحلام وردية بأبسط صور الحياة الآدمية، وأدنى درجات الإنسانية، بعد عمر من السعي والحرمان والشقاء المنحوت في جباههم وكفوف أيديهم المُرتعشة، إلى مركب يتراقص يميناً ويساراً، في عرض البحر، وكأنها رقصة الموت الأخيرة، أرواح ترتجف حذر الموت، لتمتزج دقات قلوبهم المرتعبة بصرخاتهم، وأنينهم الممدود في فضاء الوطن الواسع الأسود، الذي ضاق عليهم بما يكفي، للهرب من جحيمه إلى مصير آخر مجهول، قد يكون جحيمه أقوى وأشرس.

إلى مشهد نهاية الحلم، الذي تقشعر له الأبدان ألماً وحسرة، حينما تقع عيناك ساكنة صامتة عاجزة عن البكاء، تُحدق بالجثث المُتراصة، المتجاورة داخل أكياس سوداء، ومن فوقها ألواح الثلج حتى لا يصيبها العفن، كما أصاب باطن وطن ساوى أبناءه بين العيش والموت فيه، فالعيش والموت واحد، لا يفرق بينهما سوى شهيق وزفير مخنوق، مُكبل بأبشع صور الظلم والهوان، فهنا لا حرمة للموت، ولا عظة. 

إن الأمر في رتابته، أصبح يشبه الضريع الذي يخترق أرواحنا على ما فقدناه ونفقده من إنسانيتنا كل يوم، بل وكل لحظة دامية، تعتصر قلوبنا دماً يسري بلا توقف.. 

ندخل بعدها في دائرة مفرغة من النسيان المهين، لنستقبل الحادثة القادمة بكل تبلد قاتل للذات، ومهين للكرامة.

إنها ليست بالحادثة الأولى من نوعها، وليست بالأخيرة.. إنها سلسلة حداد، على إنسانية شعب تحمل ما لا تتحمله الجبال، يروح منه كل يوم العشرات، ضحية طاحونة الفقر والجوع والجهل والمرض، والإهمال وغياب القانون والفساد، الذي لم يصبح للرُكب فحسب، وإنما وصل إلى حد الغرق، فكلما أنظر إلى صفحة البحر الغادر بأمواجه المُتلاطمة، أتخيل ملامح الموتى الشاحبة المستغيثة، ونحيبهم وصرخاتهم المدوية، وعويل ذويهم، وكأنها تتردد في أسماعنا كصفير يعلن جرس النهاية، التي أصبحت قريبه بما يكفي للزهد في حب هذه الدنيا الزائلة. 

لم تعد زُرقة البحر الكاذبة تثير بداخلي أي شعور بالبهجة أو الراحة، أو طيف موصول بذكريات الطفولة البريئة، من السباحة والركض على الشاطئ خلف الطائرات الورقية، وشراء دوائر حلوى الفريسكا والذرة المشوي، وحبات البطاطا الساخنة، واللعب بجرادل البحر الملونة، وبناء قصور من الرمال والآمال، بنوافذ معقودة بالأمل، الذي أصبح سراباُ في مستقبل دامٍ، لا يميزه سوى رائحة ولون الدم القُرمزي، والدم فقط.

فمن حادث عبارة السلام 98 التي لم تكن سلاماً وبرداً على شهدائها، العائدين من رحلة حج بيت الله الحرام، إلى حوادث القطارات الدامية، المُكتظة بأجساد الغلابة والبسطاء، البالية بملابسهم المهترئة، المرقعة بطعم المرارة وقلة الحيلة، إلى حوادث أوتوبيسات المدارس، وموت أطفال كبراعم الزهور في مهدها، لتختلط دماؤهم الطاهرة بكراساتهم وأحذيتهم السوداء اللامعة، إلى حادث طائرة عائدة إلى الوطن، تحمل على متنها أحلام وشوق مغتربين الوطن، الذين طالما حلموا بالعودة إلى أسرهم، ووطنهم، والاستقرار بين ضلوعه بعد عمر من الغربة والوحشة.

إلى حوادث طرق متتالية، يدفع فيها القاتل ثمن نصف كيلو من اللحم عوضاً مهيناً لأهل المجني عليه، إلى حوادث إهمال مميت في عديد من المستشفيات، التي تحولت من كونها دور رحمة وشفاء، لدور عذاب وإهمال ومهانة، ثم موت، فلا عزاء لمستشفيات يغيب عنها أبسط أدواتها؛ قطن وشاش، وأكياس دم، إلى حوادث أكثر ألماً ووحشية، تحمل في طياتها المرعبة آثار أنياب ومخالب مرتكبيها، من الذين سولت لهم أنفسهم المتاجرة بأعضاء البشر، إلى حوادث اختفاء واعتقال شباب في عمر الزهور، وضياع عمرهم في سجون يقتسمون فيها النفس الواحد، وموت بعضهم إثر المرض والإهمال والتعذيب.

تلك الحوادث هي الوجع المُرتل في محراب الوطن، والسواد القائم في مآتم الضمائر، المُقيدة بحبال السلطة المُتهالكة، المُلتفة حول رقاب أصحابها دون أن تبتر نحورهم.

كل هذا يحدث ويحدث، ويمر مرور الكرام، تحت عناوين ومانشيتات إهمال الحكومة، وأجهزة الرقابة، ولجان تقصي الحقائق، التي أصبحت كنوع من الكوميديا السوداء، وعدم نيل المجرمين العقاب الذي يستحقونه، بل والأبشع من ذلك، إهمال تلقي استغاثات الموتى هنا وهناك، في البر والبحر والجو، فهذه الجرائم تحدث تحت مرأى ومسمع منهم، فأسماء سماسرة الموت هنا وهناك معروفون لديهم، ولكن لا حياة لمن تخاذل، بل وشارك في قتل أبناء شعبه بشتى الطرق، بكل أريحيه ودم بارد.

لندخل على حفل من التصريحات الكاذبة إلى حد المسخ، من قبل الحكومة وسادة القرار، وضجيج الإعلاميين الزائف، ومهاراتهم التي تملأ شاشات التلفاز، إلى نشر صور الضحايا والشهداء، واتصالات هاتفية تبرز مشاعر ذويهم وقلوبهم المقهورة بالألم والحسرة، بلا أي حل حقيقي للكارثة على أرض الواقع، وبدون عودة الحق لأصحابه. لندخل بعدها دائرة مفرغة من النسيان المهين، لنستقبل الحادثة القادمة بكل تبلد قاتل للذات، ومهين للكرامة.

فعند وقوع كل فاجعة، أتذكر قول الفنان الراحل أحمد زكي، في فيلمه الشهير "ضد الحكومة" حينما قال: "كلنا فاسدون، كلنا فاسدون، حتى أصحاب الصمت العاجز الموافق قليل الحيلة".. ولكننا انتقلنا إلى مرحلة أكثر سوءاً من الصمت والتبلد، بإلقاء اللوم على الضحايا، وتبرير موتهم وقتلهم، فهم يستحقون الموت من وجهة نظرهم التي ترتضيها مصالحهم الشخصية، التي تقيد حناجرهم، بل وتسوقهم كالعبيد في طاحونة السلطة والحكومة والرئيس، حتى لا نصبح كمصير سوريا والعراق واليمن وليبيا، تلك هي أكذوبتهم البالية، وشماعة بلادتهم، وحجتهم المريضة التي أعياها التكرار في تعليقاتهم على كل حادثة مريرة نمر بها.

إنه الوجع المُرتل في محراب الوطن، والسواد القائم في مآتم الضمائر، المُقيدة بحبال السلطة المُتهالكة، المُلتفة حول رقاب أصحابها دون أن تبتر نحورهم، إنها تنتظر الأمر بكن فيكون من رب العدل والقصاص والرحمة، ليقتص ممن شربوا دماء الآلاف، بل الملايين من الضحايا والشهداء، والتهموا لحومهم المعجونة بآهات وعويل ذويهم، في صحون من ذهب وفضة، سادة القرار اللذين لم يلفت نظرهم عدد الأكفان المتراصة، التي نالت من العقل والروح قبل أن تنال من الأجساد.

ألم يعلموا بأن أيديهم وأرجلهم ستكون شاهدة عليهم بما قدموا واكتسبوا في صحائفهم! حتى إن تلك الأشياء الجامدة من حولهم، كارهة لهم وتلعنهم لعناً، تريد أن تتحرر من قبضة أيديهم الملوثة بدماء الأبرياء الطاهرة، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ختم الله على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم، ألم يأتِهم حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ بسم الله الرحمن الرحيم: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)).

ولا يسعنا في النهاية، سوى أن ننادي في بحر الظلمات كصاحب النون: أن لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

علقت السلطات التركية مهام أكثر من 12 ألف شرطي يشتبه فيهم بأن لهم صلات مع المعارض فتح الله غولن المتهم بتدبير المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/تموز الماضي.

الأكثر قراءة