روسيا بعد عام وحرب

بعد وصول القوات النازية إلى حدود موسكو خرج عليهم الرئيس الروسي جوزيف ستالين يصيح بالمذياع: يا شعب روسيا دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي. وذلك من أجل تحفيز همم الناس لحمل سلاحها والدفاع عن وطنهم من خلال اختيار كتاب وأدباء يعدوا رموزاً لدى الشعب الروسي.

هذه الحقيقة لم يكن باستطاعة القيصر الروسي فلاديمير بوتين أن يدركها وهو اللذي يبحث عن سبل إعادة أحياء إمبراطورية غابرة وخلق التوازن مع الولايات المتحدة من خلال وإعادة إحياء سياسة القطبين، وذلك من خلال إلقاء حمم طائراته على جمامم الأطفال السوريين في حلب وغيرها من المدن السورية.

الولايات المتحدة بحسب مراقبين تنظر من بعيد وتنتظر أن يغوص الدب الروسي في الوحل السوري أكثر فأكثر وذلك من أجل إضعافه.

تدخل الحرب الروسية على الشعب السوري لمساندة حليفهم نظام الأسد الذي كاد أن يوشك على السقوط قبل التدخل السريع بحسب ما قاله المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، إنه لولا التدخل الروسي في سوريا لكانت الرايات السوداء وصلت إلى دمشق.

في حين أن الخسارات التي تتكبدها القوات الروسية من طائرات وجنود خلال العمليات العسكرية ضد فصائل المعارضة السورية، تتصاعد تكلفة العمليات العسكرية الروسية في سوريا يوما بعد آخر، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الروسي انكماشاً بسبب العقوبات الدولية، وانخفاض أسعار النفط، مما سيؤدي إلى ضغوط جديدة عليه.

من جهة أخرى تعمل الولايات المتحدة على مبدأ المتفرج على القتل الروسي اليومي على مدينة حلب وإطلاق يد روسيا في الهجوم المستمر على المدنيين دون ضغوطات تذكر بحسب تسريبات لوزير الخارجية جون كيري مع نشطاء سوريين حيث قال لهم بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تفعل شيئاً بسبب عدم وجود مبرر قانوني للتدخل في سوريا على عكس روسيا التي تدخلت بناءاً على طلب نظام الأسد.

بعد عام ونيف على التدخل الجوي الروسي واتخاذ قاعدة حميميم العسكرية مقراً لها لم تستطع الطائرات الروسية التي تقدم دعماً مكثفاً لقوات النظام والمليشيات الموالية لها من تقدم عسكري يذكر على الأرض بحسب مراقبين للوضع السوري، سوى في استعادة قسم من قرى الساحل السوري فيما سيطرت المعارضة المسلحة على عشرات القرى في حماة رغم القصف الروسي.

وأمام هذا الاستنزاف الروسي على الأرض السورية حيث تشن الطائرات الروسية عشرات الغارات بشكل يومي من أجل منع قوات المعارضة السورية من التقدم في ظل عجز قوات النظام على التقدم رغم التمهيد الجوي الكثيف،هذا العجز بدى واضحاً من خلال الهجوم على مدينة حلب المحاصرة حيث لم تستطع قوات النظام التقدم عسكرياً واكتفت الطائرات الروسية بتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها.

تنتظر الولايات المتحدة بحسب مراقبين وهي تتفرج من بعيد أن يغوص الدب الروسي في الوحل السوري أكثر فأكثر وذلك من أجل إضعافه وتحطيم طموحات الرئيس الروسي وذلك من خلال دعم قوات المعارضة بمقومات الصمود، وذلك عن طريق حلفائها الإقليميين السعودية وقطر وتركيا.

في حين يخشى الروس من تكرار سيناريو أفغانستان عندما دخل الجيش الأحمر إلى ذلك البلد من أجل احتلاله عندها قامت الولايات المتحدة بدعم طالبان بصورايخ الستينغر المضادة للطائرات، وأسمتهم المجاهدين الأفغان بالحالمين بالحرية وذلك من أجل شرعنة تسليحهم، حيث دمروا عشرات الطائرات والدبابات للإتحاد السوفيتي والذي تفكك على أثر الهزيمة في أفغانستان وأعدم حليفهم الرئيس الأفغاني آنذاك نجيب الله في شوارع كابول على يد حركة طالبان.

من جهته يتطلع الرئيس الروسي بوتين إلى بناء علاقات أكثر قوة مع تركيا أبرز داعمي المعارضة السورية المسلحة والتي خرجت من انقلاب عسكري فاشل على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اللذي يقوم بدوره بعملية ابتزاز للمحورين الروسي والأمريكي وذلك من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب.

يعمل أردوغان على تحقيق أكبر قدر من مصالحهم وذلك بإدخال قوات لتأمين حدوده بمشاركة الجيش الحر ضمن عملية درع الفرات وسط صمت روسي في مقابل إخافتها المستمرة بالجهاديين الشيشان اللذي يعبرون إلى سوريا للقتال ضد قوات النظام عن طريق تركيا والتي تخشى أن يعودوا إلى بلدهم الأصلي وخلق بلابل وكفاح مسلح من جديد، وذلك بعد إنهاء الوجود الجهادي بعد سيطرة القوات الروسية على مدينة غرو زني عاصمة الشيشان من قبل، وتسليم سلطة البلد للرئيس الشيشاني قاديروف الموالي للاتحاد الروسي.

يعول الشعب السوري وعدد من المراقبين العرب على عدم قدرة روسيا على الاستمرار بهذا الزخم حيث تبلغ كلفة الغارات الجوية لروسيا رقما مرتفعا.

في حين أن الدول العربية لم تعد تنتظر من إدارة أوباما المترددة أي شيء في الشأن السوري وتنتظر قيادة أمريكية جديدة في ظل المنافسة المحتدمة بين هيلاري كلينتون وترامب خصوصاً في ظل إخلال الرئيس أوباما بوعوده تجاه الدول العربية بمعاقبة الرئيس الأسد على قصفه المدن السورية بالسلاح الكيميائي.

ويرى عدد من المحللين بأن انخفاض أسعار النفط قد أشعل حرباً نفطية جديدة بين روسيا وإيران من جهة ودول الخليج من جهة أخرى والتي لا تنفصل عن المعركة العسكرية على الأرض، ويلعب كافة الأطراف لعبة عض الأصابع حيث أن اللذي سيتألم أولاً سيقدم تنازلات للطرف الأخر.

ويعول الشعب السوري وعدد من المراقبين العرب على عدم قدرة روسيا على الاستمرار بهذا الزخم حيث تبلغ كلفة الغارات الجوية لروسيا وحشدها العسكري في سوريا تبلغ بين 2.4 وأربعة ملايين دولار يوميا، بينما يعتقد بأن التكلفة اليومية لتحليق المقاتلات الروسية بمعدل تسعين دقيقة، والمروحيات قرابة الساعة، ارتفع إلى 710 آلاف دولار، كما أن الطائرات الحربية الروسية تلقي يوميا قنابل وقذائف تقدر تكلفتها بنحو 750 ألف دولار.

ويبقى السؤال الأخير هل ستستمر الحملة الروسية لعام أخر أم أن روسيا كما وصفتها صحيفة الجارديان البريطانية بأنها أضحت كسفينة بلا دفة والتي نفذ منها الوقود تتقافز بلا هدى في عاصفة ثلجية وهي بطريقها إلى التحطم.

الأيام القادمة ستثبت ذلك..فهي حبلى بالمفاجآت.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

واصلت واشنطن وموسكو الانتقادات المتبادلة بشأن الأزمة السورية، واشترطت الولايات المتحدة التزام روسيا بالهدنة لاستئناف التعاون الذي علقته أمس، لكنها قالت إنها لن "تتخلى" عن الشعب السوري.

أفاد مراسل الجزيرة في حلب بأن 19 شخصا قتلوا وجرح عشرات آخرون إثر غارات للنظام وروسيا على الأحياء الشرقية للمدينة وبلدات بريفها، وتصدت المعارضة لمحاولات النظام التقدم شمال المدينة وجنوبها.

قالت الولايات المتحدة إنها تنظر في خطوات للتعاطي مع الوضع في سوريا بعد انهيار المحادثات مع روسيا، وسط ترجيحات بتوجيه ضربات عسكرية للنظام السوري لانتهاكه الهدنة وقصفه المدنيين في حلب.

الأكثر قراءة