دبلوماسيةُ الجنائز!

جاءت وفاة آخر مؤسسي الكيان الإسرائيلي المسخ شمعون بيريس لتضع الكثير من النقاط على الحروف، وكان لتوقيتها في هذه الأيام أثراً عظيماً لإظهار نوع جديد وشكل ابتدعه الزعماء العرب للدبلوماسية مع الآخرين، وهو نوع يتم من خلاله مجاملة أطراف على حساب أخرى.

غير أن الجديد في "دبلوماسية الجنائز" العمل بالمقلوب في الزمن الذي قلبته الزعامات العربية التي تجثم على صدور شعوبها، وحتى لا ينحرف الحديث كثيراً في توصيف تلك الدبلوماسية، فإنني أحصر أشكالها في التالي:

في دبلوماسية الجنائز يُشارك العديد من القادة الفلسطينيين في تشييع زعيم إسرائيلي قاد أحد المراكز المهمة في قيادة عصابة الهاغاناة التي أدت جرائمها لذبح آلاف الفلسطينيين وتدمير المئات من قراهم

• في دبلوماسية الجنائز من غير المستغرب مشاركة قيادات من دول عربية أربعة بوفود رفيعة المستوى للغاية، يتقدمهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

• في دبلوماسية الجنائز يقع على كاهل العديد من الزعامات العربية مسئولية إرسال الرسائل والبرقيات للتعزية في أحد من لطمهم المرة تلو الأخرى، بل ذهب بعضهم لتمني أن ينام "بيريس" في قبره بسلام.

• في دبلوماسية الجنائز يُشارك العديد من القادة الفلسطينيين في تشييع زعيم إسرائيلي قاد أحد المراكز المهمة في قيادة عصابة الهاغاناة التي أدت جرائمها لذبح آلاف الفلسطينيين وتدمير المئات من قراهم، وصولا لتأسيس الكيان الإسرائيلي عام 1948م.
 

• في دبلوماسية الجنائز من الواجب على الخارجية المصرية المشاركة في جنازة مدير عام وزارة الحرب الإسرائيلية في خمسينات القرن الماضي، أو بالأحرى خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر، ولا ضير من إبداء وزير الخارجية المصري سامح شكري الحزن الشديد بالبكاء أو بإبداء الحزن الشديد.
 

• في دبلوماسية الجنائز يقع على عاتق زعماء وقادة العرب مسئولية مهمة في المشاركة وتقديم التعازي بذلك المجرم الذي قاد عدوان عسكري على لبنان أسماه "عناقيد الغضب"، وخلاله قتل عشرات النساء والأطفال في مايو أيار عام 1996م من منطقة قانا حينما قصفهم بينما كانوا داخل مقر الأمم المتحدة جنوب لبنان.
 

• في دبلوماسية الجنائز يجد بيريس العشرات من الزعماء والقادة العرب يبكون فراقه، رغم إدراكهم بأن شهرته داخل الكيان الإسرائيلي "مهندس البرنامج النووي الإسرائيلي"، فقد كان صاحب الدور الأهم في بناء مفاعل ديمونة النووي.
 

• في زمن دبلوماسية الجنائز يجب تقديم التعازي للمحتل في قائده صاحب سجل حافل من الاستيطان واعتقال آلاف الأسرى العرب والفلسطينيين وتعذيب الكثير منهم حتى الموت.
• في زمن دبلوماسية الجنائز يطلب محمود عباس المشاركة في تلك المراسم بعدما نسيت أو تناست قيادة كيان الاحتلال توجيه الدعوة له بالحضور، لكنه من أهل العزاء ولأجل ذلك لم ينتظر الدعوة بل بادر بطلب الإذن للمشاركة.
 

• من خلال دبلوماسية الجنائز نُدرك أن العقود الستة التي أمضاها شمعون بيريس في قتل وتهجير العرب والفلسطينيين وتنفيذ المخطط تلو الآخر في سبيل تحقيق نبوءة "دولة إسرائيل" العظمى من النيل إلى الفرات كلها لا تُشكل شيئا يزعج العرب، الذين شاركوا في جنازته، بل وعاشوا مشاعر الحزن بشكلٍ لم يعشه أبناء شعبه أصلاً.
 

• في دبلوماسية الجنائز تستنفر قيادات السلطة طواقمها بعد إعلان خبر وفاة بيريس، بينما لا تُكلف نفسها التعبير عن حزنها على استشهاد الأسير ياسر حمدوني الذي قضى نتيجة الإهمال الطبي في السجون التي شيد الكثير منها بيريس ذاته، بل لم يمتلك عباس الجرأة للمشاركة في مسيرة حمدوني.
 

• في دبلوماسية الجنائز يقضي الشيخ محمد رشاد الشريف مقرئ المسجد الأقصى المبارك ويغيب عن جنازته الزعماء والقادة العرب والفلسطينيين، فمشاركتهم في جنازته قد تزعج بيريس في قبره كون الشريف يرتبط اسمه بالقدس التي يدّعون أنها ضمن سلم أولوياتهم.
 

• في دبلوماسية الجنائز يجب دفن أي منتقد لمشاركة قيادة السلطة وفصله من وظيفته وإن كان صاحب مكان مرموق، ولعل فصل الضابط أسامة منصور "أبو عرب" مدير العلاقات العامة في الارتباط العسكري الفلسطيني الذي نصح رئيس سلطته عباس بعدم المشاركة في تلك الجنازة خير دليل على ذلك.
 

في دبلوماسية الجنائز لا يجد رئيس السلطة حرجاً من مصافحة "نتنياهو" وزوجته بابتسامة عريضة والتعبير عن شوقٍ طويلٍ للقاء، بينما ينظر لأبناء شعبه وقادة شعبه بكل احتقار وقذارة

• دبلوماسية الجنائز تُحتم على عباس المشاركة في تشييع بيريس بينما ينسى سريعاً وفاة مستشاره السياسي نمر حماد الذي توفي بالتزامن مع بيريس، وكأنها رسالة من الله لمن كان يمتلك عقلاً لكل المدافعين عن سياساته ونهجه.
• في دبلوماسية الجنائز يبكي رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في جنازة بيريس، بينما لا يقلق لاستشهاد الأسير حمدوني أو يُنعي الشيخ الشريف، ويغيب عن عزاء مستشاره حماد. 

• في دبلوماسية الجنائز تُدير السلطة الفلسطينية ظهرها لمن وقف إلى جانب قضيتنا وتنزل راغبةً في خندق من يحتل بلادنا ولا يزال، فالزعيم الجنوب أفريقي "نلسون مانديلا" الذي خصص جزءا من حياته لدعم القضية الفلسطينية غاب عن جنازته عباس، تماماً كما غاب عن حضور جنازة هوجو تشافيز زعيم فنزويلا السابق، الذي رفع شعار الرفض للكيان الصهيوني وتأييد القضية الفلسطينية بينما لم يجرؤ الكثير من زعماء العرب القيام بجزء من فعله.
 

• في دبلوماسية الجنائز الشعب والفصائل والهيئات الوطنية كاملة تُطالب رئيس السلطة الفلسطينية باحترام دماء الشهداء وأنات الجرحى والأسرى الذين اعتقل الآلاف منهم بيريس وتدعوه لعدم المشاركة في التشييع، لكنه يضع كل مطالباتهم تحت أقدامه ويُدير وجهه صوب الكيان الذي يحتل بلادنا.

• في دبلوماسية الجنائز لا يجد رئيس السلطة حرجاً من مصافحة "نتنياهو" وزوجته بابتسامة عريضة وكلمات دافئة والتعبير عن شوقٍ طويلٍ للقاء، بينما ينظر لأبناء شعبه وقادة شعبه بكل احتقار وقذارة.
 

إن هذا النوع من الدبلوماسية القذرة التي بات يقوم بها العديد من الزعماء العرب والفلسطينيين بكل جرأة لا ينفع معها خطوات الشجب والاستنكار فقد تجاوزت مراحل الخجل كثيرا كثيراً، وإنما هي بحاجة لخطوات أخرى من الشعوب لتوقفها بكل الوسائل، وإلا فكل عبارات الشجب التي نسمعها لتلك الدبلوماسية لن تكون سوى للتغطية والنفاق المفضوح في التعامل مع هذه المسائل الحساسة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شيعت في القدس جنازة شمعون بيريز الرئيس التاسع لإسرائيل وآخر قادتها المؤسسين، بحضور تسعين وفدا دوليا، بينما شارك من العرب الرئيس الفلسطيني إلى جانب وفود من الأردن ومصر والمغرب.

الأكثر قراءة