المنطق الأرسطي وغاية المعرفة

٣٢٣ ق.م-بابل في مكان ما من قصر الملك البابلي نبوخذنصّر، بالقرب من حدائق بابل المعلقة التي بناها الملك لزوجته الفارسية التي لم ترق لها ضفة الفرات المنبسطة فبنى لها الحدائق المعلقة لكي تحاكي تلال فارس التي اعتادتها وحنت إليها، مات الإسكندر، فانكسفت الفلسفة وأفل نجمها، ليبدأ ما بات يعرف بالعصر الهيلنستي الذي تراجعت فيه الفلسفة سوى من بعض الرواقيين والآبيقوريين.

قبل موت الإسكندر بلغت الفلسفة أوجها وعزها مع أرسطو الذي كان معلماً للإسكندر في صباه وتوفي قبله بعام ليُختم بموتهما أزهى عصور الفلسفة وتبدأ أشباه الفلسفات التي برزت في العصر الهيلنستي، ولم يكن غريباً أن يجد بعض المعاصرين متعة ما في السخرية والتطاول على أرسطو لأنه سقط في أخطاء علمية أصبحت راسخة في عصرنا هذا، والحقيقة أن الموسوعية الرهيبة التي بلغها هذا الفيلسوف في خوضه بكل العلوم بلا استثناء مُغلباً -في العادة- فكرته عن أصالة العقل والتأمل الخالص على ما بتنا نسميه الآن بالمنهج العلمي ليقول مثلاًبلا برهان وبتأمله المحض أن قلب الحصان يحتوي على عظام وأن الدماغ بارد لا يمر فيه الدم، وكل ما بات فعلاً يستحق السخرية الآن.

المنطق الأرسطي رفض الاستقراء الناقص مهما بلغ عدد العينة التي تم فحصها.

لكن ما لا أستسيغه هو ذلك التناقض الذي يقع فيه من يسخر من قول أرسطو بأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل بحجة أنه لم يفكر للحظة بأن يفتح فم امرأة ليعد أسنانها، لأن هذه السخرية بالذات تشكل جهلاً مركباً بأصول المنطق الأرسطي والذي شكل أساس المنهج العلمي الذي نعرفه الآن ونهاجم بأناقته وحجيته ما صار تراهات أرسطو، بل قد بدأ بعض الباحثين باتهام أرسطو بأنه ليس أول من أرسى دعائم المنطق أو على الأقل أنه لم يمارس هذا المنطق سيما مع كمية الأخطاء التي ارتكبها.

لقد قام المنطق الأرسطي بشكل أساسي على نوعين من الاستدلال:-
١- الاستدلال الاستنباطي: ويكون من العام إلى الخاص مثل قولنا خالد إنسان، الإنسان يموت، إذن خالد يموت.
٢- الاستدلال الاستقرائي: ويكون من الخاص إلى العام مثل قطعة الحديد هذه تتمدد بالحرارة، اذن فكل قطع الحديد تتمدد بالحرارة.

ويقسم الاستدلال الاستقرائي إلى:
١-كامل: أي أنه يجب فحص جميع الحالات قبل الخروج بالتعميم أي يجب فحص جميع قطع الحديد لنقول أن كل الحديد يتمدد بالحرارة.
٢-ناقص: أي بفحص مجموعة كبيرة أو صغيرة لنعمم القانون على كافة العناصر المشابهة.

لقد رفض المنطق الأرسطي تسويغ حجية الاستقراء الناقص، فإذا مر أمامك مجموعة من الشقراوات أو عشت في مكان كل نسائه شقراوات فهل يعني ذلك أن كل النساء شقراوات، وهل من المنطق أن تمدد قطعة حديد ما بالحرارة يعني تمدد كل القطع بالحرارة، لذلك لم يكن هناك معنى بأن يقوم أرسطو بفتح أفواه نساء أثينا ليثبت شيء لأن هذا الاستقراء ناقص ولا قيمة له حتى لو أثبت أن كل النساء في أثينا يستوي عدد أسنانهن بأسنان الرجال وذلك بالطبع لا يعني الدفاع عن المنطق التأملي المحض الذي اتبعه أرسطو ولايشفع له سوى وحشة الغموض الذي كان يلف كل شيء ولا نستطيع الآن استشعار هذه الوحشة المخيفة بعد أن أزال العلم الغموض عن كثير من الظواهر، ومن المعيب السخرية من عدم محاولة أرسطو عد أسنان النساء دون أن نعرف أن المنطق الأرسطي رفض الاستقراء الناقص مهما بلغ عدد العينة التي تم فحصها.

بل ذهب المنطق الأرسطي أعمق من ذلك في محاولة سد هذه الثغرة في الاستقراء الناقص عبر ضرورة تحري إتصال السبب بالنتيجة بما ينفي المصادفة أي أن تمدد الحديد عند تعرضه للحرارة قد يكون مجرد مصادفة حدثت لمرة او مرتين أو حتى ألف أى بضرورة وجود فكرة مسبقة عن اقتران المسبب بالنتيجة وهذا ما نسميه الآن بالتجربة التي يقوم عليها العلم الحديث، لكن الأهم هو كيف نسوغ لحجية الاستقراء الناقص بوجود تشابه بين عناصر العينة وهذا التشابه هو مفتاح تسويغ هذا الاستقراء كحجة وهو أساس كل العلوم الحالية لكن بمنظور أعمق للتشابه.

ربما بالنسبة للفيلسوف المتمنطق فإن تسويغه للاستقراء الناقص مثلاً في تمدد قطعة حديد أنه القطع الأخرى لها نفس الصلابة والوزن والمتانة وهكذا يتوقع لها سلوكاً مماثلاً إذا تعرضت للحرارة، وما يستطيع تمييزه من تشابهات ليعمم فكرة تمدد الحديد بالحراراة باستخدام استقراء ناقص قائم على مسوغ التشابه المحسوس وتلك الخطوة الأولى والتأسيس الفلسفي للعلوم، لكننا الآن سنسخر من كل ذلك فقد اشتد عود العلم في هذا الجانب مثلا فنعرف الآن أن أي مادة تتكون من ذرات متصلة عبر روابط وهذه الذرات تتحرك باهتزاز ذري موضعي يزداد بازدياد درجة الحرارة فيؤدي لتمدد المادة، ولأن كل المواد تتكون من ذرات فجميع المواد بما فيها السائلة والغازية تتمدد بالحرارة وليس فقط المعادن، أي أن مسوغ الاستقراء هو ما يمنح المنطق صبغته العلمية، وصرنا نعطي كل مادة معامل تمدد محدد بحسابات دقيقة.

إن أي جدل فلسفي لم يتطور ليتولاه العلم ثم يحقق من خلاله فيما بعد ما فيه فائدة للناس وتسهيل لحياتهم لهو جدل مذموم وإضاعة للوقت.

لكن لنعد قليلا إلى الوراء لحقبة ما قبل سقراط، أي قبل تكون مفهوم الفلسفة أصلا، وقبل وجود المنطق الأرسطي حيث ساد التأمل المحض معظم نتاج تلك الفترة فقال طاليس بالأصل الواحد للأشياء، وقال أنكسمندر بالأصل المشترك للأنواع وهي ما أصبحت الداروينية فيما بعد، وقال أناكساجوراس بتعدد العوالم ووجود كواكب ومجرات أخرى، وقال ديموقليطس بالجزء الذي لا يتجزأ وهو الذرة، كل هذه الافكار جادت بها خيالات فلاسفة موغلين في القدم بالفترة القبل سقراطية وكلها أصبحت الآن نظريات علمية راسخة ومفصلة وثابتة، فهل يكون التأمل مرحلة سابقة للمنطق الفلسفي البسيط وللعلم الدقيق.

اذن فتأملات الأمس هي فلسفات اليوم وفلسفات اليوم هي علم الغد، وكل الأفكار التي تخرج عن ذلك مارقة وبلا قيمة، وكل جدل يعدو ذلك جدل عقيم، وهذا ما يدفعني للتساؤل دائما عن جدوى ما ظنناه لفترات طويلة قضايا أساسية في الفلسفة، ما الذي يهمك في جدل القدرية والجبرية ومراوغات الأشاعرة أي هل علينا فعلا التفكير فيما اذا كنا مسيرين أم مخيرين ما دام كل منا قادر على ترك هذا الجدل وإضافة مقالة علمية للويكيبديا، أو الانصراف إلى عمله في مشفى أو مصنع، ما الذي يهم الناس في قدم العالم أو قدم الله أو كونه مخلوق في زمن او غير مخلوق وأزلي، ما لم يتطور هذا الجدل ويأخذ شكله العلمي إذا افترضنا على سبيل المثال نظرية الانفجار العظيم وبذلك ينتهي دور التأملات الفلسفية في قدم العالم.

إن أي جدل فلسفي لم يتطور ليتولاه العلم ثم يحقق من خلاله فيما بعد ما فيه فائدة للناس وتسهيل لحياتهم لهو جدل مذموم وإضاعة للوقت، فغاية الفلسفات أن تطوّع الأفكار لتخضع لقوانين العلم وغاية العلم تسهيل أمور الناس من خلال المجالات المختلفة في الطب والتنكولوجيا والتصنيع والغذاء والتطبيقات العملية المجدية للافكار العلمية، وأي فصل بين الفلسفات والعلوم أو تصوير لهما كخطوط متوازية لهو في ذهن الإنسان القاصر الذي لم يعي كيف تطور العلم وكيف كان منطق أرسطو الساذج بالنسبة لنا الآن عبقرية ذلك الزمان وأساس العلوم الحالية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

مليكة بيك أديبة بوسنية تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، نشطت بقوة في صفوف الحزب الشيوعي اليوغسلافي، لكنها تمردت عليه لاحقا وتحولت لداعية إسلامية مما قادها للسجون والاغتراب.

فيلسوف ومفكر اقتصادي إنجليزي، يعد من رموز المذهب النفعي في الفلسفة وأحد أقطاب المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد. ترك عدة مؤلفات ساهمت في إثراء الفكر الإنساني.

يقدم تشومسكي في كتابه هذا رؤيته لأسباب تراجع أميركا عن موقعها الريادي في السياسات الدولية، ويرفق أسئلته الوجودية في الفلسفة السياسية بشرح واف عن طبيعة السياسات الأميركية في العقد الأخير.

الأكثر قراءة