المفكّر الحالة

يمشي على رجلٍ واحدة رغم امتلاكه اثنتين، سابحٌ في نهر تأملاته العميقة أو هذه هي الصورة التي يريد أن تلازم اسمه، حائرٌ مطرق مع فنجان قهوة يتصاعد بخاره.

أسئلته مليئة بالشك، متخمةٌ بالأنا، وصفحاته ملأى بالاقتباسات الفلسفية اليونانية أو الديكارتية.. هو يتطوّح على تراتيل الصوفية متغنيًا بالروميّ، باكيًا على الحلاّج.

يسعده تمامًا أن تبدي دهشتك وحيرتك من قصيدته التي صاغها على بحرٍ حرٍ وحشاها بأسئلة لا إجابات لها، بعضها مسروق، وبعضها مصوغ بعناية على أن تدور في دائرة، تعيد القراءة مرة تلو المرّة وهو يبتسم في انتصار لذلك، لكنها يحرص على أن تكون هذه العبارات الغامضة حلوة مثل السكّر، أن تخرج من نصه أكثر شكًا ومسحور ببعض العبارات.. تتساءل أساحرٌ هو أم مفكّر؟!

لكنك إذ تريد أن تكون مثقفًا واعيًا، تأكل كتابات المفكّرين بنهم، ليست كتابات أولئكم مثل المفكّرين الذين كانت أيديولوجياتهم واضحة لك، مدارسهم الفكريّة، كلامهم الذي كان يصعد فورًا إلى وعيك ويحفزّك على العمل أو البحث عن إجابات تعرف أنّك ستجدها يومًا..

كلما ازدادت خبرتك كلما رأيت تلك الفقّاعات التي تحمل قوس قزح في داخلها تنفجر أسرع من تينك التي كنت تنفخها.

ليست هذه الحالة هنا، إذ تجدك أمام حالة بل حالات بنصوصٍ لا نهايات مقنعة لها، ونهاياتها لا تدري أنها نهايات إلا حين تجد نفسك على قارعة الطريق بعد آخر حرف، وأين التتمة؟!

أسئلة تزعجك إذ تدري أنها لم تعد منطقية، أو أنها اجتزاف عقلٍ يسرف في البذخ الفكري الذي لا يقيل عثرة واقعمك ولا يطعم جوع قلبك، ولا يرضي فطرة ذائقتك !
فإن كانت خاتمة قراءتك لنصّه اللا شيء، إذن أنت لم تفهم ..ولست بمفكّر!

وإذا لم تكتب نصًا مفتوحًا فيه نفسُ التمرد على قيود من لا تعرف، ورمز مكشوف لمعانٍ تدرك أنك كنت قبل تخجل من التفكير بها خاليًا، لتجد أنك إن لم تحش بها كتابتك فلن تلقى لها رواجًا ولن يصفّق لك الذين يدّعون بأنّهم قرّاء!

حريٌ بك إذن أن تكون قلقًا، وأن تنضم لحوارات صاخبة ملأى بعبارات فضفاضة مثل غيوم الصيف، اكتنازٌ بلا شتاء، وأن تشتم قليًلًا، تبعًا لجنسك، فإن كان في شتيمتك شيء من القذارة صفقوا أكثر، وأضافوا لنصك تعليقات فيها من الشتائم ما يوحي بأنهم كانوا فقط ينتظرون أن تفتح لهم الباب ليفرغوا حمولاتهم عندك، كلها، وكأنهم، بحبسها، كانوا على إعياء!

في صغري، كانت فقّاعات الصابون تثير دهشتي، برّاقة تأخذ بلبي، فيها قوس قزح، خفيفة، أجملها ما كان أكبر، ثوان ثم تنفجر، بلا صوت، بلا أثر وكأنها لم تكن، وأجدني بعدها أنفخ غيرها وغيرها.

وأخشى أنّ ما نمر به من حالة المثقفين الذين تزخر بهم صفحات التواصل الاجتماعي، الذين يأخذوننا على حين غرة بالدهشة ثم نكتشف الزيف سريعًا، كلما ازدادت خبرتك كلما رأيت تلك الفقّاعات التي تحمل قوس قزح في داخلها تنفجر أسرع من تينك التي كنت تنفخها، نعم ..فقاعات هم، نحن ننفخهم، نجعلهم يصدّقون أنفسهم، ونحن من ينتكس كل مَرَّة بخيبة مُرّة، حتى هذا يا ربي، إلى متى هذا الهراء؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة