شعار قسم مدونات

الرومانتيكية.. بين الشرق والغرب

blogs - hugo
نشأت الحركة "الرومانتيكية" (الرومانطيقية، الرومانسية) في فرنسا بالقرن الثامن عشر (1700م)، وسرعان ما انتقلت إلى ألمانيا وإسبانيا وإنجلترا وإيطاليا. في البداية كانت مجرد "مقابل" أو صرخة اعتراض ضد الأرستوقراطية الغربية وحياة البذخ التي تعيشها العائلات "النبيلة"، وطريقة للاحتجاج على معاييرها الاجتماعية الفوقية!

إلا أنها بلغت ذروتها في أواخر القرن التاسع عشر (1860م) كردة فعل على الثورة الصناعية الكبرى، والتي كانت في بداياتها نموذجا قبيحا لاستعباد البشر واستغلالهم كآلات تعمل بلا توقف مقابل لقمة صغيرة تضمن بقائهم أحياء، فقط ليواصلوا العمل.

النزعة الرومانتيكية (الرومانسية) حاولت أن تقدم للانسان الغربي، المطحون بالمادية والرأسمالية والصناعة، نموذجا بديلا أكثر إنسانية.

الرومانتيكية بالأساس مدرسة في الأدب والفنون، تقوم على تمجيد العواطف الانسانية وتعلي من شأن مشاعر الانسان بكل ما تحمله من تنوع وتناقضات، خوف وهلع، رعب وألم وحب وشوق ونرجسية.. إلخ لذلك تميزت الأعمال الفنية والأدبية الرومانتيكية بوفرة الإنتاج وحظيت بانتشار واسع كونها قريبة من الناس وأحيت الفنون الشعبية بشكل ملحوظ.

بسبب فقر الغرب بالمادة الروحية التي تمثل عصب الرومانتيكية، نتيجة لهيمنة الرأسمالية الجشعة (وهي الامتداد الطبيعي للفلسفة اليونانية المادية) بدأ كثير من الشعراء والأدباء بالسفر إلى الشرق لاستكشاف مصادر جديدة للمشاعر الإنسانية، والبحث عن "تجربة روحية" تملأ ذلك الخواء المفرط بالعقلانية والمنطق الصارم، ومن هنا بدأ افتتان الرومانطيقيون بالشرق، خاصة الهند وبلاد فارس نظرا لوجود شعراء مبدعون بغاية العمق والروحانية أمثال حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي وعمر الخيام وغيرهم، وكذلك للحياة الشعبية البسيطة التي تتميز بها شعوب الشرق، بحيث تعطي انطباعا قويا عن حقيقة الإنسان قبل أن تدمره المدنية الحديثة بثورتها الصناعية..

رغم أن الرومانتيكية نشأت في فرنسا، إلا أن الفلاسفة والشعراء الألمان هم من حمل مشعلها وحلقوا بها في آفاق واسعة بعد ذلك، وكان لرحلة الفيلسوف الألماني شليجل إلى الهند الأثر البالغ على كل من أتى بعده، شليجل الذي افتتن بالهند ووصفها أنها "ينبوع الحكمة". ثم تبعه الشاعر الكبير يوهان جوته الذي تأثر ببلاد فارس كثيرا وكتب عنها أشهر كتبه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي"، وكذلك شيلنج، وفي فرنسا تبرز أسماء لامارتين، فيكتور هوجو، وشاتوبريان وغيرهم.

باختصار.. النزعة الرومانتيكية (الرومانسية) حاولت أن تقدم للانسان الغربي، المطحون بالمادية والرأسمالية والصناعة، نموذجا بديلا أكثر إنسانية، وتأثر بهذه المدرسة حتى رجال الدين المسيحي، بتأثير من أعمال الفيلسوف الرومانتيكي الألماني شيلنج بشكل خاص، والذي كان يقول "المسيحية صدرت عن الروح الشرقية".

وفي الفلسفة.. كانت الوجودية صرخة رومانتيكية عميقة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حفرت في أعماق الإنسان لاستكشاف كنهه وتناقضات مشاعره المتراوحة بين العنف والعطف، بين الرحمة والقسوة، بين الإيثار واللامبالاة.. إلا أن حجم الدمار الذي خلفته تلك الحروب البشعة كان أكبر من أن يحتمله إنسان القرن العشرين على ما يبدو، لذلك تمادت الوجودية في احتقار العقل حتى وصلت لانكار كل الحقائق باستثناء "عبثية العالم".

الكون كله يقوم على التوازن، رقم صغير جدا في اختلال المسافات بين الكواكب، أو في نسب تركيب المواد كفيل بتدمير الكون والحياة.

نتيجة لهذا تعرضت الرومانتيكية في منتصف القرن العشرين (1950م) لهجمة شرسة – مستحقة – ونقد عميق مس أهم أركانها، فتراجعت كثيرا ما أفسح المجال لبروز جناح جديد أكثر عقلانية ووعيا بالواقع، فنشأت على أنقاض الرومانتيكية الكلاسيكية، رومانتيكية جديدة أعطت قدرا أكبر من الاهتمام للعقل والمنطق، فكانت محاولة واعدة في خلق توازن بين الروح والعقل، بين العاطفة والمنطق.

الكون كله يقوم على التوازن، رقم صغير جدا في اختلال المسافات بين الكواكب، أو في نسب تركيب المواد كفيل بتدمير الكون والحياة، لذلك وعلى مر التاريخ الانساني كله لم تفلح مدرسة فكرية في الفن أو الأدب أو الفلسفة أو الاقتصاد أو الاجتماع بتقديم نموذج ناجح يقوم على التفسير بعامل واحد واستبعاد بقية العوامل.

الغرب أفرط بتقديس العقل لدرجة الخواء الروحي، والشرق تمادى بالروحانية لحد الخرافة. عقلانية الغرب المفرطة أنتجت الإلحاد والرأسمالية الجشعة والحروب العابرة للقارات، وروحانية الشرق المفرطة أنتجت الجهل والتخلف والفوضى والفقر، ولا أمل للإنسانية بالنجاة إلا بالتزام التوازن بينهما، هذا العالم لن ينجو إلا بعقلانية تحكمها روح، وروحانية يلجمها عقل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.