الإسلاميون والمسلمون.. بعض من أشكال الخلل

لا شك أن للحركات الإسلامية تأثيرها الفكري والسياسي، ولكنها تحمل في الوقت نفسه أمورا عاقتها وستعيقها عن إنتاج حلول لمحيطها الاجتماعي، وهذه الإشكاليات لا ترجع بالضرورة لإشكاليات فكرية مباشرة لكنها ترجع لمشاكل في رؤيتها للأمة والمجتمعات التي نشأت في إطارها، وهذه الجوانب تشمل عددا كبيرا من الأنماط السائدة في الحركات الإسلامية، حيث تبدو الاستثناءات محدودة عن هذه الأنماط السائدة، ويمكن إيجاز عدد من هذه المشاكل فيما يلي:

أ-الاعتقاد بالنيابة عن الأمة:
وأقصد بهذا المعنى اعتقاد الحركة الإسلامية في بلد ما، بأنها تنوب عن أبنائه في القيام بالوظائف التي أوكلها الشارع الحكيم للأمة بجميع أفرادها، فمن المتعارف عليه أن الإجماع الفقهي والعقائدي على قضية ما ذو أثر تشريعي فعال، وكذلك فإن من صلاحيات الأمة اختيار الحاكم إما مباشرة أو عبر الآليات المجتمعية الاعتيادية التي يفرزها كل مجتمع على حدة، تبعا لظروفه وواقعه الخاص به.

لعل من أخطر المزالق التي وقع الإسلاميون فيها هو رغبتهم في إعادة بناء التاريخ، وأعني بذلك أن نظرتهم للتاريخ مبنية على تقمص دور الجماعة المسلمة الأولى.

إلا أن الحركة الإسلامية –باختلاف تياراتها – استقطبت قطاعات متنوعة من أبناء المجتمع ومن مختلف شرائحه للوصول إلى تمثيل المجتمع في إطارها الفكري بل والتنظيمي، بما يحمله الإطار التنظيمي من أطر جامدة، وأفكار محددة ومقننة، وتفاعل ذلك، مع استيراد كثير منها لنماذج فكرية بعينها قادمة من مجتمعات غير مجتمعاتها المحلية، مع العلم أن هذه النماذج الفكرية ذاتها ولدت لحل مشاكل مهمة في تلك المجتمعات وليس في هذه، وبرغم ما يلاحظ من نجاح هذه الحركات في تقبل التنوع المذهبي، إلا أنها دائما أرادت قولبة تلك الأعراف ومنحها صفات ومحتوى دينيا من نوع ما، حتى لو لم يكن يحمله بالضرورة.

لكن الملمح الأبرز لقضية الاعتقاد بنيابة الحركات الإسلامية عن الأمة، يظهر في سعي الحركات الإسلامية دائما للقول بأنها الممثل الطبيعي لأحلام الأمة، تعمم نماذج مقننة للحكم، وتعتبر أن من حقها تقرير ما على الأمة فعله في هذا الجانب، في شكل يتطور لوصاية كاملة.

كما يظهر ذلك في أن كثيرا من تجارب الحركات الإسلامية كشفت عن تمثلها الكامل للأمة، بمعنى أن من يخالفها موصومون غالبا بالاستلاب الثقافي، وبعيدون عن ثقافة الأمة، ومغتربون عنها.. وما إلى ذلك.

ب-الاصطفاء الذاتي:
عادة –ولا أعمم- يعتبر الإسلاميون أنفسهم مصطفين بصورة غير مباشرة، فهم متميزون عن أفراد المجتمع، ينظرون بشيء من الاستعلاء لبقية أفراده، يميزون أنفسهم غالبا عنهم، ولا يتصالحون مع بقية قواه، تحت مختلف الأسباب، وهذه الجزئية تحديدا، تواجه الأنماط الأيديولوجية المختلفة التي تعيش في منطقتنا العربية، لكن بما أنني أتناول الإسلاميين هنا، فإنني أكتفي بطرحهم للنقاش، علما بأن نماذج الاستعلاء والوصاية من قبل الإيديولوجيات الأخرى واردة كذلك.

ويسعى الإسلاميون كثيرا لقولبة بعض ظواهره الإيجابية لما يفترضون أنه روح الأمة الإسلامية، والتي يمثلونها كما أسلفنا، وعليه فهم أفضل من بقية أفراد المجتمع، ولهم عليه حق الوصاية التامة، وهذا الأمر يظهر بأبشع صوره في الحالة الجهادية، خاصة في تلك التكفيرية منها.

ج-إعادة بناء التاريخ:
لعل من أخطر المزالق التي وقع الإسلاميون فيها هو رغبتهم في إعادة بناء التاريخ، وأعني بذلك أن نظرتهم للتاريخ مبنية على تقمص دور الجماعة المسلمة الأولى في مكة والمدينة، واتخاذ المسار التاريخي نفسه الذي سارت فيه، وهذا الأمر تشترك فيه التيارات الإسلامية المختلفة، بسبب سوء تفسيرها للأحاديث النبوية من قبيل ما ورد في الآثار من أن الفرقة الناجية (ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وحديث (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ)، حيث تحول هذا الأمر إما لاتباع مفرط متجاوز للوازم العصر الحاضر، وإما لقضايا متصلة بتصورات حركية من نوع طور الاستضعاف وطور التمكين وما شابه ذلك، ولاحقا جرى تقمص زوايا مختلفة من السيرة والتركيز عليها على حساب زوايا أخرى، فجرى تضخيم مرحلة دار الأرقم مثلا، والتي لم تتجاوز شهرين من المرحلة المكية الطويلة، وتقمص محتواها السري في بنية التنظيمات والتعامل مع المجتمع.. إلخ.

د-الخلل في قراءة التاريخ:
نتيجة لقيام الحركات الإسلامية في ظروف سقوط الخلافة العثمانية، وإدراكها لحال الأمة المتردي في مختلف المجالات، وإحساسها بحالة التحدي الحضاري، فإن العودة للتاريخ مثلت حلا جيدا لفهم لماذا وصل المسلمون لهذه النهاية تحت حكم استعماري وبدون خليفة للمسلمين.. وبدون وحدة روحية ولا نهضة اجتماعية اقتصادية سياسية.

وجرى استدعاء قضايا مختلفة، فمن يقرأ مؤلفات كثير من الإسلاميين الخاضعين للتنظيمات وإملاءاتها، يكتشف رغبتهم في فهم التاريخ واستدعاء بعض جوانبه، فالتركيز على الوحدة وذم التفكك السياسي بإطلاق، والتركيز على الجهاد كحل لتحقيق الوحدة، وذلك بدلا عن الاهتمام بفكرة القيم الإسلامية التي سادت في عصور معينة كعامل مهم، عدا عن التركيز على فكرة التضحية والاستشهاد على حساب التسوية والتنازل السياسي المحسوب، والتركيز على ثنائيات: البطل المجاهد – العالم الزاهد – الحاكم العادل، وهو ما سمح بتنميط التاريخ الإسلامي وقولبته، وتغييب قيمة الشورى، بل والوصول لتبرير الاستبداد في سبيل الوحدة والعدل وما شابه ذلك، وهو ما حرم خطابهم من التوازن المطلوب، وأعاق قدرتهم على رؤية الأحداث.

افتراض أن النصوص الشرعية سواء في تقديم التفاصيل، افتراض خطير، يقود للافتئات على النص وقتل روحه.

هـ- مركزية مفهوم الدولة على حساب مفهوم الأمة:
افترض الإسلاميون نتيجة قراءتهم المذكورة أعلاه للتاريخ الإسلامي، أن الدولة الإسلامية مقدمة ضرورية للحضارة، متجاوزين بذلك قوى الأمة المختلفة، فمن يطلع على ما يكتبونه في سياق التاريخ، يلاحظ جليا تركيزهم على تاريخ الدول، وإغفالهم تاريخ الشعوب وحركتها الطبيعية، وذلك في سياق توظيفهم للتاريخ في فهم الواقع، لكن قصور الاستدعاء، وعلاقتهم بالأمة التي بينتها آنفا، حجبتهم عن إبصار التاريخ في صورته الكلية، وهذا ما قاد بدوره لاهتمامهم المفرط بالتحكم في الدولة ذاتها ككيان، لا في التداول السياسي، ولا حتى في المعطى الحضاري، كما قاموا بتجاهل فعل الأمة في صياغة نظم الحكم على اختلافها.

و-شمول الحل:
روج الإسلاميون لمقولة الإسلام هو الحل، ولا شك أن للإسلام كنصوص وحي، قدرته الفائقة على توجيه المسلمين ونفعهم في المجالات كافة، ولكن هذه المسألة تتفاوت من الصورة الكلية إلى التفصيل الفرعي، وافتراض أن النصوص الشرعية سواء في تقديم التفاصيل، افتراض خطير، يقود للافتئات على النص وقتل روحه، إضافة لتفاعل هذه الفرضية تتفاعل مع معضلة نيابة الجماعة الإسلامية السياسية عن الأمة لتحول الرؤية التي يقدمها التنظيم للإسلام لرؤية ملزمة كتلك التي يحملها إجماع المسلمين عبر عصورهم.

هذه الإشكاليات أعلاه، أكرر أنها لا تعم كل النماذج، بل تحضر بصور متفاوتة في التجارب المختلفة لهم، وإن كان لدى كل حركة وكل بلد خصوصية معينة تخفف أو تضاعف من هذه الأفكار.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة