إفرازات ما بعد الاحتلالين..

بين الفينة والأخرى تطل علينا الفضائيات "الغوبلزية" التابعة للماكنة الحكومية العراقية بوجوه سائبة أقرب ما تكون لحالة اللاوعي الذي يعيشه البلد منذ الاحتلالين الأمريكي والإيراني له، وهذه الصور عن الأبطال الورقيين ماهي إلا حالة إسقاطية لما ينتجه المجتمعين الأمريكي والإيراني من أوساخ تصديرية كانت ولا تزال في موضع اتهام من الأصدقاء قبل الأعداء.
 

وعلى سبيل المثال، قد شاهدنا من قبل في الأفلام الأمريكية، وطبعاً مثل هولاء لا يتواجدون إلا في الأفلام، عن أرنولد ورامبو وغيرهم، لنشاهد في وقت لاحق وبنسخته العراقية "أبو عزرائيل"، مع الفارق أن الأبطال الأمريكيين في أفلامهم يحملون طريق الفضيلة المصطنعة مع قوتهم المفترضة، بينما نجد هذا الأخير قد غرق بفيديوهات حقيقية في النيل من حقوق الإنسان، والغرق في الجرائم الإنسانية وكأن "آرا" إله الدمار والانتقام في الميثولوجيا الإغريقية هو الذي يوحي إليه وليست الأحزاب الإسلامية الإيرانية الحاكمة في العراق، والتي تعطيه الشرعية بتغطية حكومية فاضحة.

وقريباً من تلك الحالة نشاهد الثأرات الحسينية و"المختارية" تتجلى في مواقع التواصل الاجتماعي، ليظهروا لنا المارد الإيراني الأخضر على غرار الفليم الشهير "هولك" مهدداً ومتوعداً، لنسمع بعد أسابيع أنه نفق في شمال سوريا، وهنا يتضح لنا الفارق بين الإمكانيات الخيالية للشركات السينمائية العالمية وكفاءتها وخبرتها الدعائية المعهودة، وبين واقع المارد الإيراني الذي يفتقر لكل المقومات التي أشرنا لها.
 

نظرية استنزاف العقول وهجرتها أصبحت قديمة بالمقارنة مع النظرية الجديدة السائدة التي تقول أن البقاء خارج البلد أولى من الدخول فيه.

وعوداً على بدء في "العراق الجديد"، نجد أن تلك الإفرازات التي طغت عليها الشخوص التعبوية لرفع الحالة المعنوية للجماهير، نجد أن انعدام الكفاءة في إخراج تلك الشخوص التي هي متهمة أصلاً من بعض المقربين منها أو منبوذة من قبل مراجعها أو تتساقط بسبب عدم انضباطها بالقوانين "المافوية".
 

ولو أخذنا الأبرز من هذه الوجوه لوجدنا "واثق البطاط" و"قيس الخزعلي" و"أوس الخفاجي" وقد أراد اللحاق بهم "الباقري النجفي" الذي قفز على مسرح الاستعراض دون السماح له من قبل المخرج الإيراني ليجد نفسه في وضع لا يحسد عليه.
 

إن المتابع للمشهد العراقي لما بعد الاحتلالين لا يجد البتة أي صورة تتجلى لعالم مرموق في الفيزياء أو الكيمياء أو بقية العلوم الإنسانية الأخرى بل والأدهى من ذلك لا يجد كفاءة من كفاءات العراق من جميع نواحي الحياة الفنية والثقافية والعلمية وغيرها إلا ويكون خارج العراق.
 

وكأن نظرية استنزاف العقول وهجرتها أصبحت قديمة بالمقارنة مع النظرية الجديدة السائدة التي تقول أن البقاء خارج البلد أولى من الدخول فيه إذا ما تتبعت الإشارات المرورية التي تؤدي بك إلى السلامة العامة لك ولعائلتك، لتسود بعدها في بلاد ما بين النهرين حالة جمعية من الكآبة العامة والحزن الجماعي والتغييب التام لكل من يحمل فكر نير أو علم ينتفع بهِ.
 

فبعد ما كانت الساحة العراقية في الماضي القريب تعج بالكفاءات النخبوية أمثال "مؤيد البدري" و"عمو بابا" وغيرهم على الصعيد الرياضي، و"كامل الدباغ" و"زهى حديد" وغيرهم على المستوى العلمي، و"ناظم الغزالي" و"يوسف العاني" و"ليلى العطار" وغيرهم في الوسط الفني.. أصبحنا نشاهد اليوم "أم هنادي" وكيف أنها تتفاخر في قطع الرؤوس وحرق الجثث وطبخ الجماجم، يشاركها في هذا التوجه "ريان الكلداني" مع الميليشيات، بدلاً من أن يهتف بحياة المسيح المسالم يتبع خطى "قاسم سليماني" في نهجه الدموي، ناهيك عن "هادي العامري" الذي صرح بأن مليشياته التي صالت وجالت في دماء العراقيين تملك اليوم سلاحاً يفوق كماً ونوعاً سلاح الجيش العراقي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتميز دورة مهرجان البندقية التي تنطلق يوم الأربعاء بعرض أفلام مستوحاة من الحرب الأميركية على العراق، حيث سيعرض فيلمان عن تلك الحرب. كما سيعرض في المهرجان الذي يستمر إلى الثامن من الشهر المقبل 22 فيلما بالمسابقة الرسمية في ظل حضور طاغ للسينما الأميركية.

لم تنجح الأفلام السينمائية التي أنتجتها هوليوود مؤخرا حول الحرب على العراق أو الحرب على ما يسمى بالإرهاب في جذب المشاهد الأميركي بسبب كثرة هذه الأفلام المعروضة بالإضافة إلى الموقف الشعبي من هذه الحرب ومبرراتها.

الأكثر قراءة