ماذا عن الهجرة النبوية؟

blogs - mecca
هلّ هلال شهر محرم الحرام، دون أدنى احترام له، ولم تضع الحرب أوزارها بعد، دماء وأشلاء وبقايا بشرية هنا وهناك، على مرأى ومسمع العالمين. حلول السنة الهجرية يذكرنا دائما بسبب اختيار سيدنا عمر الموفق له، واختياره البدء بالحساب من ذكرى الهجرة النبوية المباركة، بعد أن تضاربت الآراء في أي حدث، وأية محطة تاريخية هامة يبتدئ بها التأريخ الإسلامي.

حدث الهجرة النبوية، هو حدث تاريخي بامتياز، حدث غير مجرى التاريخ المكي والمدني، بل وتاريخ العالم أجمع، حدث أضاع حلم صناديد قريش، وأطاح بالخطة الاستراتيجية لإقامة دولة على أرض طيبة، من طرف عبد الله بن أبي بن سلول، حدث أشعل شمس الحق لتشرق للعالم أجمع، بعد أن تآمر الطغاة والخذلة، على طمسها بين جبال مكة، وقتل صاحبها.

مولانا رسول الله خرج بنفسه وبصدِّيقه، لا لمصلحة شخصية، ولا لتجارة تجمعهما، ولا لأي شيء من ذلك، فقط ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. خرج من مكة وهي أحب البلاد إليه، بكل وفائه لها وهي وطنه، ووطن أجداده، "إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت". المدينة التي سأل الله أن يحببها إليه، كما حُببت إليه المدينة، واستجاب الله دعوته، فأحب أهلها، "لو سلك الناس شِعبا وسلك الأنصار شِعبا، لسلكت شِعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".. والدليل على أنه أحب الإقامة بها على غيرها، هو أنه يوم فتح مكة رجع مع الأنصار، نحو المدينة المنورة بنوره الشريف، فحببت إليه، وإلى كل المحمديين من بعده، حتى صارت قبلة للعشاق..

الهجرة حدث ليس بعادي أبدا، له رمزيته ودلالاته، فيه دروس وعبر. فانتقال مولانا رسول الله من مكة إلى المدينة، هو انتقال للدعوة الإسلامية من مرحلة إلى مرحلة، وحط الرحال بالمدينة هو بمثابة تأسيس أولي للدولة. وبقيت الهجرة مفتوحة كذلك إلى يوم فتح مكة -لا هجرة بعد الفتح-.. فالهجرة المحسوسة من مكة إلى المدينة، قد انتهت فرصتها، ولكن الهجرة كمكنون وجوهر، ما زالت إلى أن تقوم ساعة هذا الكون -والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه-، فهجران الباطل إلى الحق هجرة، وهجران الظلم هجرة، وهجران الحرب نحو السلم هجرة، وهجران الفتنة هجرة، وهجران الخطيئة هجرة..

لا حزن ولا أسى ولا ضجر وأنت لائذ بالله، كل انكساراتك، واعوجاجاتك ستستقيم، إن استقام قلبك لربك؛ فلا تيأس.

استقبل الأنصار مولانا رسول الله بالفرح والسرور، وناصروه وأيدوه، فوفوا بالعهد وكانوا عند كلمتهم، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، حتى ساهموا معه في تأسيس الدولة الإسلامية، قوامها السلم والعدل، ونصرة المظلوم، ودعم المحتاج، وإعلان بداية نهاية المجتمع الوحشي الجاهلي، والإعلان للسلم، والتعايش مع الآخر، ووثق ذلك في وثيقة المدينة، كأول دستور إسلامي مكتوب. وحدها وثيقة المدينة، تحتاج منا إلى مدارسات، وإلى فتح نقاشات بناءة، تسهم في الرقي بنقاش تقارب الأديان.

هنا رسالة ألفت إليها انتباه القارئ، لو تأملت حال رسول الله يوم الهجرة، ستجده خرج مقهورا من موطنه، محتقرا من قومه، يقع له ما تعجب منه مع ورقة بن نوفل يوم جاءه أول الوحي -أومخرجي هُم!-  ولكن مع ذلك كانت العناية الربانية تحيط به، فأنزل الله سكينته عليه، وجنود الله مسيرة له "وأيده بجنود لم تروها" لا يفتقر إلى أحد، ولا يحتاج لأيٍّ سوى الله، غير مفتقر لما سواه "إلا تنصروه فقد نصره الله" وبهجرته الشريفة، تحقق انهزام الباطل ونصرة الحق، فذُل قومه له، عز من الله "وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا" فلا حزن ولا أسى ولا ضجر وأنت واقف لائذ بالله، كل انكساراتك، واعوجاجاتك ستستقيم، إن استقام قلبك لربك، فلا تيأس.

بحاجة لأن نعيد النظر في عدة قضايانا، ومن ذلك احتفالنا بأيامنا الدينية، ونوع النقاشات التي تدور في مجامع تلك الاحتفالات، فلقد حان الوقت كي نتخلص من الاكتفاء بتكرار شريط سرد الأحداث، والرقي إلى استخلاص الدروس والعبر، إلى قراءة ما في بطون الكلمات والأحداث.