في الجنة.. يا مهند

blogs - mohanad
تحديت المرض كثيراً يا مهند حتى أشقيته معك، تحديت الألم الذي تألم كثيراً لما آلمك به وقبل هذا كله تحديت وباقي شباب جيلك "الأعظم" على الإطلاق من بين أجيال وأجيال توالت على مدار سبعة آلاف سنة من الحجارة، فشلت فيها تلك البلاد البائسة من صناعة أعظم حضارة على وجه الأرض، ألا وهي الإنسان الذي كرمه خالقه وميزه عن باقي خلقه فيما أهانه واحتقره حفنة من الجهلة الفسدة المتوارون خلف عتاد وسلاح فشل في ستر سوءاتهم.
 

أُلقي القبض عليه في تلك "الخرابة" المسماة زوراً بالدولة وعلى كاميرته مرتين كانت الأخيرة بمثابة شهادة وفاتهما معاً.

تسعة عشر عاماً مرت سريعاً من عمرك صنعت خلالها الكثير والكثير مما فشل في صنعه أصحاب الشعور البيضاء والقلوب السوداء، ممن تحكموا في مقدراتنا طوال عقود وعقود من الزمن، أبَيّت أن تهادن أو تستسلم لما يروجه سحرتهم من أكذوبة ضياع ثورة يناير المجيدة.
 

فالثورة مستمرة في القلوب والعقول ولو فتحوا النار صوب الصدور، ولو فتحوا المعتقلات وقيدوا المعاصم بالحديد، ولو فتحوا أثير الهواء عبر آلاف الفضائيات لنعيق بومهم وغربانهم، الثورة مستمرة في القلوب والعقول حتى تقتص لك يا مهند ولأسماء البلتاجي وخالد سعيد وسيد بلال ومينا دانيال وحسين طه وشهداء مذابح رابعة والنهضة والدفاع الجوي وبورسعيد والتحرير والقائد إبراهيم والأربعين وغيرها وغيرها، الكثير من المذابح والدماء التي أريقت على مدار عقود من الزمان.

وهنا أدعوكم أن تفكروا معي قليلاً، ماذا لو كان مهند حاملاً لجنسية دولة تحترم الإنسان، هل كان سيتوجه صبيحة هذا اليوم إلى جامعته ومنها إلى إستديو الصوت الشهير لتسجيل أغنية بصوته العذب أم أنه كان على موعد لحضور تصوير فيلم جديد ضمن المنحة التدريبية التي منحتها إياه الدولة لتعلم فنون التصوير الذي كان يعشقه وبسببه أُلقي القبض عليه في تلك "الخرابة" المسماة زوراً بالدولة وعلى كاميرته مرتين كانت الأخيرة بمثابة شهادة وفاتهما معاً.

تسعة عشر عاماً ومواقف مهند المشرفة كثيرة ويتحاكى عنها الجميع من أقرانه، ومن مواقفي معه أختار موقفاً لن أنساه ما دمت حياً، منذ عام تقريباً دخلت في غيبوبة أثناء إعتقالي، تم نقلي على إثرها إلى المستشفى الأميري الجامعي والذي كان يرقد به مهند، وبعد أن أفقت من غيبوبتي فوجئت بزيارة غالية من السيدة والدته للإطمئنان على حالتي الصحية نقلت لي خلالها رغبة مهند في زيارتي على الرغم من سوء حالته الصحية، كان واقع رغبته علي شديد وتمنيت أن أزوره حينها إلا أن ما منعني عنه إلا "كلاب الحراسة" والكلابشات التي كانت تقيدني في سريري.
 

كُتب الفصل الأخير من قصة صمود وصبر ومثابرة وأصبح صعود روح مهند إلى بارئها واقعاً، تاركة لنا أيقونة جديدة من أيقونات عديدة للثورة.

فسحقاً لقلمي هذا الذي يكتب يائساً أملاً في استنهاض همم شعب تحولت إلى هموم، سحقاً لقلمي هذا الذي بات يكتب يائساً لقلوب تحجرت وضمائر فسدت وعقول غيبت، سحقاً لمن لن يترحم على مهند باحثاً عن مبررات للقتلة من نوعية "لو مشى جنب الحيط مكانش جراله حاجة" ولتعلموا أن بوفاة مهند إنقض الحائط ولن يقام مرة أخرى.

فألا ليت مداد قلمي من دمي فألحق به عند العدل فنشكوه سوياً من أهل هذه القرية الفاجر أهلها، نشكوه ممن هتكت أعراضهم وإستبيحت حرماتهم وفشلوا حتى في قول كلمة لا وباتوا يستمتعون، نشكوه من فقراء معدمين ارتضوا الذل والمهانة وحياة الأنعام، وأغنياء داسوا عليهم بأحذيتهم المصنعة من جلود مستوردة، وجبابرة داسوا على أحلام الشعوب بأحذيتهم وبياداتهم، وقضاة داسوا على الحق والعدل بسيارات فارهة دفعوا أثمانها زوراً وبهتاناً، وإعلاميين يدلسون وينافقون ويهيئون الباطل للشعوب في صورة الحق.

للأسف الشديد كُتب الفصل الأخير من قصة صمود وصبر ومثابرة وأصبح صعود روح مهند إلى بارئها واقعاً، تاركة لنا أيقونة جديدة من أيقونات عديدة للثورة دفع أثمانها الشباب من حياتهم، ومخطىء كل الخطأ من يظن أن باستشهاد مهند ومن سبقه من أبطال موت للحق وإفساح للمجال كي ينتصر الباطل.
 

بل ستظل أرواحهم معنا ثائرة، يداً بيد مقتصة من جلادينا وقاتليهم عاجلاً كان أم آجل، وأخيراً وليس آخراً لا يسعني سوى أن أرسل إلى مهند أروع أبيات شعر قيلت في الشهداء للشيخ يوسف القرضاوي: حسبوك مت وأنت حيٌ خالدٌ … ما مات غير المستبدِ المجرمِ