المناكفات البائسة.. ترسلنا إلى دركٍ لا قعر له

blogs - syria
كلُ المجازر بشعة مهما اختلفت هوية الضحايا أو هوية مرتكبيها.. هي قمة الوحشية وذروة اللاإنسانية.. يتخلى فيها حفنة من الناس عن "بشريتهم" ويتحولون إلى كائنات سادية بشعة لا يشبعها سوى الدم..

يستبيحون مدنيين عزل.. يستعرضون عليهم أصنافا مرعبة من أساليب التعذيب الوحشي المنتهي بسلب الروح.. ومع هذا فإننا نشاطر اليوم بشرا يعيشون بيننا يحوّلون كل ذلك المشهد الدموي إلى مجرد مناكفة بائسة يمكن خلالها أن تتحول المجازر إلى عمل بطولي لمواجهة المؤامرات بشتى أنواعها..

كانت مجزرة كرم الزيتون التي نفذها جنود وشبيحة موالون للأسد في عاصمة الثورة السورية حمص حدثا فارقا بالنسبة لي في يوميات الدم هناك… كانت الثورة السورية قد اقتربت من إنهاء عامها الأول..

من تورطوا بالدفاع عن الأسد وجرائمه وجدوا أنفسهم مدافعين عن جرائم نظام الانقلاب في مصر وجرائم الحكومات والمليشيات الطائفية في بغداد.

فقررت زمرة من الشبيحة وجنود النظام إحياء هذه الذكرى على طريقتهم.. تخلوا يومها عن كل أقنعتهم وقرروا أن يظهروا للسوريين معدنهم الحقيقي فاقتحموا الحي وارتكبوا أفعالا تشيب من هولها الولدان..

جمعوا الرجال فقتلوهم وأحرقوهم بالمعنى الحرفي للكلمة.. ثم جمعوا النساء والأطفال فقتلوا الأطفال ذبحا بالسكاكين أمام أمهاتهم وبعض الأطفال تم تهشيم رؤوسهم بالصخور.. ثم اغتصبوا النساء والفتيات قبل أن يقتلنهن..

يومها بقيت صور المجازر في خيالي لا تفارقه.. إحداها كانت لطفل وقد بال على نفسه قبل تهشيم رأسه بقيت عدة أيام تطاردني في صحوي ومنامي.. كنت أفكر بما رآه ذلك الطفل الذي لم يتجاوز السابعة من عمره.. قبل ان تهوي الصخرة على رأسه.. بعدها بأيام تغيرت الأسئلة.. واتجهت أفكاري نحو القاتل.. ما هي الطينة التي جُبِل عليها حتى يتحول إلى مسخ.. كيف طاوعته يده لكي ينهي حياة طفل بتلك البشاعة والدموية..

توقعت يومها أن أيام نظام الأسد قد شارفت على نهاياتها.. لن يقبل العالم بمثل هذا الإجرام.. توقعت أن ينفض عنه المؤيدون.. فكيف لإنسان يملك مشاعر طبيعية أن يدافع عن هكذا وحوش؟ كنت أقول لنفسي بانه مهما بلغت درجة الكراهية والخلاف السياسي مع طرف ما فإن ذلك لن يكون مبررا لكي يتخلى الإنسان عن إنسانيته وبأن تنحدر بوصلته الأخلاقية والإنسانية إلى قاع سحيق..

لكن تبين لاحقا بأنني كنت ساذجا بل وساذجا جدا فهناك من كنت يوما صديقا مقربا له يفتخر بأنه يدعو بعد الصلاة للأسد بالنصر والتمكين! قلت يومها لصديق مشترك بيننا أرجو أن تخبره أن لا ينسى أن يدعو الله بأن يحشره يوم القيامة مع الأسد وشبيحته إن كان حقا يؤمن أنهم على حق.. ومن جهتي سأدعو الله أن يحشرني مع ضحايا مجزرة كرم الزيتون.
 
حينها وجدت من يشكك بالمجزرة من أساسها.. ويشكك بالصور.. وبالفيديوهات.. وبعد الفشل في إنكار حصولها ينتقلون من التشكيك إلى الاتهام بأن من فعلها هم الإرهابيون لكي يحرضوا على حصن الممانعة الأخير في العالم العربي! تسحب نفسا عميقا وتقرر الرد.. تسأل ببساطة.. عندما تحصل جريمة هل نسأل المتهم بارتكابها أم أقارب الضحية؟

عندما حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا هل استمعنا يومها لشارون أو إيلي حبيقة؟ أم لضحايا المجزرة والناجين منها؟ عندما حصلت مجزرة قانا هل استمعنا لرواية الجيش الإسرائيلي أم لأقارب الضحايا؟ ثم قل لي بربك هل تتخيل شخصا طبيعيا قتل أطفاله ذبحا بالسكاكين والصخور ثم قتلت زوجته بعد اغتصابها.. ثم يكذب؟ لماذا يحمي القتلة ويتهم الآخرين؟ البعض وبعد أن عجز عن الرد أصر على أنه ربما هؤلاء أشخاص من الموالين للأسد لكن تحركوا من دون أوامر للرد على جرائم الإرهابيين وأن الأسد لا بد أنه سيعاقبهم!

هكذا إذن تتحول أي قضية مهما بلغت إنسانيتها وعدالتها إلى مناكفة مبتذلة ومقززة، أين التضامن اللامشروط مع الضحايا من أي دين أو لون أو مذهب؟ أين الشعارات الجوفاء التي كنتم ترفعوها وتنظرون علينا بها لسنوات طويلة؟؟ ما الذي جرى؟

ومع توالي المجازر والبشاعات.. توالت معها المناكفات بطريقة باتت تشعرك بالغثيان.. بل لم يقتصر الأمر على الدم السوري فمن تورطوا بالدفاع عن الأسد وجرائمه وجدوا أنفسهم مدافعين عن جرائم نظام الانقلاب في مصر وجرائم الحكومات والمليشيات الطائفية في بغداد بل وفي كل بلد يقرر فيها طاغية وشبيحته سحق البشر واستباحة دمائهم وأعراضهم وكرامتهم..
 

لن يزعجك ضميرك إذا انهال من تشجعه بلكمات عنيفة ومتتالية على وجه خصمه.

تكررت ذات المناكفات في مجزرتي رابعة والنهضة لن أنسى يومها والصور المرعبة تتوالى من هناك أن زميلة كانت مبتهجة جدا بأخبار فض الاعتصام..

أحد الأصدقاء من قلب المجزرة أرسل صورا مفجعة لأحد الضحايا كان دماغه قد تناثرت على الأرض بعد أن اخترقت طلقة غادرة رأسه.. فتبرع أحد الزملاء بأن يُري تلك الصورة للزميلة المبتهجة بهجوم عسكر السيسي على المعتصمين.. فما ما كان منها إلا أن خاطبته " رووح.. بدل ما تزعل عليهم ازعل على العساكر اللي اتقتلوا واللقمة في بؤهم " يومها شعرت برغبة بالتقيؤ.. ألهذا الدرك الأسفل تبلغ المناكفات؟ هل بقي هناك قاع أو قعر للانحدار اللاأخلاقي الذي وصله البعض؟ ألهذا الحد بلغ التشوه في إنسانيتنا؟ كيف يمكن ان نتعايش مع مثل هؤلاء البشر؟

جوهر المأساة هنا أن مثل هؤلاء المناكفون باتوا يتعاملون مع تلك المآسي وكأنهم جمهور في حلبة ملاكمة فلا مكان هنا للأعباء الأخلاقية.. لن يزعجك ضميرك إذا انهال من تشجعه بلكمات عنيفة ومتتالية على وجه خصمه.. بل ستبتهج وأنت ترى الدماء تسيل من وجهه فهذا دليل على انتصار وقوة بطلك وستكون ذروة سعادتك بترنح الخصم وسقوطه على أرض الحلبة قد يقفز بعضهم عن كرسيه ويبدأ بالصراخ والتصفيق الحماسي..

لن يفكر لحظة بذلك الإنسان المدمى الساقط على الأرض.. للأسف بتلك المعايير تماما باتوا يحاكمون المجازر والفواجع.. التي تحصل من حولنا.. بل وينتظر بعضهم مثلا وعلى أحر من الجمر أن يسقط أهل حلب ليبدأ وصلة تصفيق هستيرية..

ولعل قمة الكوميديا السوداء تأتي حين ترى أحد هؤلاء المناكفين والمناكفات وقد كتب بوستا يقطر دموعا على صفحته الشخصية على الفيس بوك لكي يخبر العالم بأنه قرر أن يصبح نباتيا متطرفا لأنه شاهد مقطع فيديو صادم لعملية ذبح "لا إنسانية " لخروف مسكين!