ابنتي التي لم تأتِ بعد

blogs - mother
 
إلى بُنَيَّتي الَّتي لَمْ تَأْتِ بَعد..
لا أَعلم إن كان اللهُ سَيُكْرِمُني يَومًا وأَحظى بِكِ بُنَيَّتِي.
 

أَيا بُنَيَّه، اعْلَمي كُلَّ العِلْمِ أَنَّكِ سَتَأَتين بِزمانٍ لا زال يَتصارعُ الجَميعُ بِهِ ما إذا كان للأُنْثى حَقُّ الحُرِيَّةِ أَو حَتَّى حَقُّ العَيشِ، ما هي إلا أفكار متوارثة ليس لها دليل من الصحة، عَلى الرَّغم مِنَ التَّقدُّمِ الَّذي وَصَلَت إليه ِالبَشرية، من تطور علمي في شتى العلوم ومختلف المجالات، إلا أَن هُناك مِنَ الأَفكار الرَّجعية ِما يَقْتُلُ روحي، وكثير من الأحيان أشعر بالريبة والخوف، ويجعلني أفكر بك كثيرا، وأهيئ نفسي لمجيئك. ربما سَتسمعين أَفكار الكثيرين من الَّذين يُنَدِدون بِشعار الحَضارة والتَّقدمِ، وفي لَحظةٍ، يَعود كل إلى أدراجهِ وأَفكاره الرَّجعيةِ الَّتي نَشأَ عَلَيها.

حققي ذاتك، تمردي إن شئتِ، ولَكن إياكِ أن تخضعي، وإياك أن تكوني ضحية لمجتمع العبودية

بُنَيَّتِي، ها أَنا أَكْتبُ لِك وصيتي الأولى، إيّاك ِأَن تكوني كما يريدون لك أَن تكوني، تفردي بِجمال روحك، وأَناقة فكرك وثقافتك، تحرري من قيود نفسك. يا بُنَيَّتي، أَن تَكوني مَرغوبةً، محبوبةً، مُلْفتة لِلنظر، ذكية ومثقفة جميلة، كُلُّ هَذا يَحدث بِشكل تِلقائي إن اقْتنعت مِن داخلك بِذلك، الأهم من ذلك كله، أَن تَكوني قادرة على التَّحدي والإصرار والاستمرار، والوقوف في وجه كل من يضع العوائق في طريق أحلامك وطموحاتك.

كوني أَنتِ في زَمنٍ أَصبح الكُلُّ يَبْحَثُ فيه عَن نَفسه عَلَّهُ يجدها، في زمن أصبح الكل فيه يرتدي رداء الحرية بقلب مسجون وعقل مفطوم عن الحق. حَقِقي ذاتك، تَمردي إن شِئت، ولَكِن إيّاكِ أَن تَخضعي، إياك أن تكوني ضحية لمجتمع العبودية. لا مانع لَدي إن اعْتَرفت يومًا بِخَطأ ارتكبتهِ، أخطئي وتَعلمي، فَمن لا يَقبلك مُخْطِئة لن يَقبلك أبدًا، ومن لم يقدّر ذاته لن يقدّرك أبدا، احترمي ذاتك فإن ذلك حتما سيعكس صورة إيجابية عما بداخلك. سَأَتَعلم مِنك حَتمًا، فأَنا أَعلم أَن لديك مِنَ العِلم ما يثير الانِتباه، ويَستحقُ أَن أَعرِفه، ويستحق أن أكون جزءا منه.

واعلمي أَن أُولئك الَّذين يُدافعون عَن حَقَّكِ، ما هُم إلا كالأَفاعي تَدُسُ السُّمَّ خِفيةً عنك. لا تكوني ضَحيةَ مُجْتمع لا يرى في الأَنثى سوى الجَسد، ويهمش كيانها وذاتها، وثقتها بِنفسها، وينعتها بِناقصة عقل ودين، أَعْلَمُ أَنَّكِ سَتتأَلمين كثيرًا، ورُبما سَتبكين كثيرًا، وتشتمين هذا العالم كثيرا، ولَكِن إيّاكِ أَن تَسْتَسلمي، إيّاك أَن تُظهري بَراءة روحك الطّاهِرة في مُجْتمع الخُبْثِ والقَذارة، واعلمي كُلَّ العِلْمِ أَنَّني دومًا إلى جانبك.

خِتامًا، اعلمي يا بُنَّيتي أَنَّني الآن عَلى مَشارِف الخامسة والعشرين مِن عمري، وأَنا أُحاول جاهدة أَن أُعِدَّ نَفسي كامل الإعدادِ لِلُقياكِ بإِرادةِ الله، سَأبقى دائمًا صديقتك المُقربة إن راق لك ذلكِ، سَأَبقى بِجانبك كَيفما كُنْتِ ومَهْما اخْترت، ومَهما خَذَلْتُكِ أَو خَذلتني، أَو خَذلتنا الحياة يومًا. اعْلمي أَنَّي أُحِبُكِ كثيرًا، وأنْتَظِرُك كثيرًا، وأشتاقُكِ كثيرًا.