أكون أو أكون

blogs - loser
هكذا يجب أن تكون 
[To Be Or To Be That is how you should Be] 

في حياة ملؤها التحديات وفي عصر باتت السرعة عنوانه وفي زمن غزت فيه مواقع التواصل الاجتماعي حياة كل واحد فينا، أصبحت النجاحات ومعاييرها تختلف عما كانت عليه في سالف الزمان، أصبحت نظرتنا إلى الإنسان الناجح من غيره تختلف، حتى أن البحث عن الذات صار أصعب في ظل وجود بيئة إلكترونية سريعة، ذات تأثير سريع وكبير، صعبُ معها تلاشي الأحاديث وعقد المقارنات بين هذا وذلك.

في عالم تزينه السرعة صار لا بد من النجاح السريع، ومن لا ينجح بتلك الوتيرة أصبح من البساطة بمكان يهمش ينفى إلى خارج إطار الصورة لا يقدر بكل بساطة حتى لو كان يستحق ذلك، أو على الأقل هكذا هو الاعتقاد السائد.

في ظل كل ذلك تسمع كلمات المواسة الفارغة التي لا حاجة لها، كلمات التشجيع المُبطنِ بتهبيط المعنويات، تلك الكلمات التي لا تعدوا أن تكون كلمات تثبيط همم وعزائم و أي رغبة صادقة في النجاح، تلك الكلمات التي يعتقد أصحابها أنها من أنجع أساليب التحفيز لكنها لا تمت للتحفيز بصلة.

ارتأيت الحديث عن تجربة شخصية ليكون للحديث وقع أكثر صدقاً، فلطالما وجدت في التجربة الشخصية أفضل أستاذ.

فعلى سبيل المثال إذا كانت لديك الرغبة المعرفة والتقنية في أن تكون مصوراً.. وأنشأت صفحتك الخاصة على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي لكنها لم تلقى الرواج المطلوب.. إذاً أنت لست بمصور ناجح، إذاً أنت في خبر كان.. ولم يعد لخبرتك وفنك أو رغبتك أي قيمة فأنت ببساطة ليس لديك عدد الإعجابات الكافية.

مقدمتي هذه لا تعدوا أن تكون "ضرب مثل" لا أكثر، وما ينطبق على قياس النجاحات من الإخفاقات على مواقع التواصل الاجتماعي ينطبق على غيرها في أماكن أخرى مع اختلاف بعض الحيثيات البسيطة إلا أن الأسلوب يبقى هو ذاته. 

فكلمات المساواة والتشجيع الكاذب أمثال: 

أ.. لا عليك حاول نشر صفحتك أكثر. 
ب.. أضف تقنية جديدة في المونتاج.
ج.. لما لا تصور في مجال قد يزيد من شهرتك أو أن تجد لنفسك طريقا آخر.
د.. يعني "كثير في مصورين إذا بتتوقع تنجح لازم تكون غير".
ه.. "اسمعي على مواقع التواصل الاجتماعي إما أن تكون أو لا تكون شدي حالك ما بنفعك صورة واحدة مميزة".
وقد تكون في إطار أي موضوع أو مجال آخر.

ارتأيت الحديث عن تجربة شخصية ليكون للحديث وقع أكثر صدقاً، فلطالما وجدت في التجربة الشخصية أفضل أستاذ، فما أوردته سابقاً من تعليقات وأساليب تشجيعية مزيفة كانت هي الكلمات التي سمعتها عندما بدأت التصوير، لم يكن لأي من هذه التعليقات أثر إيجابي على نفسي بل على العكس تماماً وجدت فيها إحباطاً وإيقافاً لمركب هوايتي التي لطالما عشقت.

 
وقد كان السطر الأخير في هذه التجربة أساس تدوينتي هذه، فقد حركت العبارة الأخيرة من تجربتي "إما أن تكون أو لا تكون" قلمي لأدون رؤيا عن الذات عن النجاح عن مبدأ أساسي لاستمرار الحياة.

قالتها لي إحدى الفتيات في جلسة ما "إسمعي على مواقع التواصل الاجتماعي إما أن تكون أو لا تكون شدي حالك"، لو توقفت عند عبارتها تلك لتوقفت للأبد.
 

فلو توقف توماس أديسون عند عبارة غبي التي قيلت له في المدرسة لما رأينا شيئاً من اختراعاته، لو توقفت أوبرا وينفري عند طردها من أول إذاعة عملت بها لما شاهدنا برنامجها على مدار خمسة وعشرون عاماً، لو توقف والت ديزني عند من طرده من الجريدة التي يعمل بها لأنه يفتقر إلى الخيال والإبداع لما شاهدنا شيئاً من "أفلام الكرتون ديزني".
 

حين نحمل شعاراً مثل "أكون أو لا أكون" فإننا ننفي الوسطية عن كل شيء ولا نتعود رؤية الجانب المشرق إلا فيما وضع تحت تلك الخانة.

أن تكون أو لا تكون 
تساءل عن ذلك شيكسبير مرة في روايته الشهيرة هاملت قائلاً "أكون أو لا أكون هذا هو السؤال" [To Be Or Not Be].

وعلى الرغم من وجود الكثير ممن يرون في هذه المقولة تشجيعاً على العمل والإنجاز أو أسلوباً تحفيزاً لبناء مستقبل واضح المعالم حتى أن العبارة هذه باتت شعاراً اتخذه الكثير أسلوب حياة وطريقة تشجيعية من شأنها شحذ الهمم إلا أنني على قناعة تامة أن هذا التساؤل لا يجب أن يكون. 

فليس من الضروري ربط المستقبل بالاخفاقات والانهزامات ليس الأمر حتمياً في رؤية الجانب المظلم للأمور لتشحن همتك لما يجب على الأمر أن يكون هكذا، في حين استطاعتنا أن نختار ربطها بالإيجابيات.

لمَ علينا الاختيار بين الوجود من عدمه بين الإنجاز من الإخفاق، بين النجاح أو الانهيار، لمَ نُعَوّد أنفسنا على سماع الأضاد إما صح أو خطأ، أبيض أو أسود، جميل أو قبيح، إما خير بحت أو شر بحت.

حين نحمل شعاراً مثل "أكون أو لا أكون" فإننا ننفي الوسطية عن كل شيء ولا نتعود رؤية الجانب المشرق إلا فيما وضع تحت تلك الخانة. إما أبيض أو أسود إما أن يكونَ الإنسان متميزاً أو لا يكون، إما أن يكون مثقفاً في شتى المجالات أو تنفى عنه هذه الصفة تماماً.

لطالما رأيت في سماع الأضداد تعويداً لعقولنا على رؤية جانبين لا ثالث لهما في جميع مسارات الحياة، وما أن تعوددت آذانُنا على سماع ذلك نرى أننا في طريقيين إما النجاح البحت أو الفشل البحت، إما سنفشل أو ننجح أننا قد نساوي شيئاً أو لا نساوي شيئاً بالمطلق إما أن نفيد أو نضر، حينها نكون قد حكمنا على أنفسنا جزاماً بأن "نكون أو لا نكون..".

في نظرة إلى بداية الخليقة نجد أننا لم نخلق عبثاً على هذه الآرض، خُلقنا لنعمر الأرض بعلم وعمل بإنجازات واختراعات، وما دمت تسعى لفعل ذلك فأنت بالتأكيد كائن لست بحاجة لأن تصنع شيىئاً أو أن تسطر كتاباً أو تلتقط صورة أو تصنع فيلماً وتتم كل ذلك مئة بالمئة لتشعر أن لك قيمة.
 

أن تُقدّر ذاتك ومحاولتك حتى لو لم تسري كما تتمنى فما دمت تحاول فأنت كائن لا محالة فالنجاح ليس دائماً والفشل ليس حتمياً.

لربما كتبت سطراً أو حاولت مجرد محاولة أن تلتقط صورة ذات أثر، أو شاركت في صناعة محتوى مؤثر، أو ساهمت في إخراج فكرة إلى حيز النور، أو حاولت مجرد محاولة صنع شيء تنتفع به أنت ومن حولك.

إذاً لمَ لا يكفيك شرف المحاولة وأنت تعلم جيداً أنه لا يمكنك أن تفشل ما دمت تحاول، لمَ أرضى بأن أكون أو لا أكون لِمَ لم يعد "للمحاولة" تقدير في حين أننا نعلم أنه لولا المحاولة لما استطعنا الوصول.

ليست دعوة لأن ترضى بأقل ما يمكن إنجازة والوقوف عند المحاولة وعدم السعي لإنجاز المزيد ليست دعوة لبدأ التلويح بشعار جديد "يكفيني شرف المحاولة".

بل هي دعوة لأن لا تنظر لشيء في هذه الحياة إلا بعين الإيجابية لأن ترى إنجازاتك نجاحاتك وثمار عملك كما تحب أنت، أن تكون سعيداً ليس لأن كل شيء جيد بل لأنك ترى الجيد في كل شيء.
 

أن تُقدّر ذاتك ومحاولتك حتى لو لم تسري كما تتمنى فما دمت تحاول فأنت كائن لا محالة فالنجاح ليس دائماً والفشل ليس حتمياً فبين نجاح وفشل يوجد فشل ونجاح.
 

 إذاً لا ترضى إلا أن تكون..