شعار قسم مدونات

نوق القذافي وثلاجة السيسي.. ثنـائـية الاستخفـاف والطاعـة

blog-القذافي

في ثمانينات القرن الماضي، وحين كان الليبيون حقل تجارب لأفكار القـذافي الشيطانية، قرر القذافي أن يفرض حصارا على الشعب ليشحذ عزيمته في حربه المقدسة ضد أمريكا "عدوه الأكبر" حينئذٍ.

الليبيــون يتذكرون جــيدًا تلك السنين العجاف، حيث عرف القذافي كيف يهزم شعبه آنذاك، وتطرق في أحد خطاباته لصعوبة الحياة وقســوتها، فقال إنه يستلف مرتبه من رفيقه جــلود وأن مصاريف أبنائه مصدرها بيع النوق التي ورثها عن أجـداده.

بالطبع من تلقى تلك الرسالة كان يعرف تمامًا أن القائد الملهم لايكـذب فحسب، بل يتهكم على مستمعيه ويعلم أنه لايــوجد أحد يتجرأ على مكاشفته بذلك، بالونات اختبار كان يلقيها بين الفينة والأخرى لجس نبض الشارع وقياس درجة الترويض ونضوجها.

إذا نام  القذافي وحلم فإن أحلامه تصير قرارات ومراسيم، أما تخاريفه فهي فرمانات مقدسة.

القـذافي الذي امتلك ليبيا وجعلها مزرعة شخصية له ولعائلته نجح إلى حـد كبير في أن يذيق شعبه كل أنواع الإذلال بل وتفنن في ذلك، فكان الآمر الناهي، القائد الملهم، المعلم المهندس والطبيب.

إن نام وحلم فإن أحلامه تصير قرارات ومراسيم، أما تخاريفه فهي فرمانات مقدسة. هـواجس القذافي الأمنية ونجاحه في النجاة من العديد من المحاولات التي حاولت الإطاحة به جعلته محصنًا وشديد التيقظ والحذر فكان كالذئب، ينام وإحدى عينيه مفتوحة.

ولكن رغم هـذا كله فإن هـذا القائد "الأسطـوري" زرع بذور نهايته بنفسـه، حين انتفض عليه شعبه في ثورة جارفة قادهــا نشء جلهم لم يعرفــوا رئيسًا للبلاد غيره. أولئك الذين كان يطلق عليهم "جيل الفاتح".

ولدوا وترعرعوا وعاشـوا بعد انقلابه عام 1969 فحرموا من التعليم الجيد وفرص العمل والحياة الكريمة وفرض عليهم أفكاره ونظرياته فكانوا قنابل موقوتة صنعها لغيره فانفجرت فيه وأسقطته سقوطًا مجلجلاً.

هـذا في ليبــيا، أما في مصر فقد قــاد الشباب كذلك ثورة أقل دموية وأكثر تنظيمًا لتسقط إقطاعية فساد اقتصادي وسياسي جثمت على صدورهم ثلاثة عقود تقريبًا. إقطاعية مبارك وجماهيرية القـذافي رغم اختلاف نكهاتها إلا أنهما انتجتـا نفس الجيل من الشباب تقريبًا.

جيل محبط ينقصه التأني والتروي و تعوزه الرؤية المستقبلية الثاقبة حتى أنه حاول أن "يجري" قبل "يمشي" فسقط مرة أخرى ضحية لبقايــا ذئاب مبارك والقـذافي المتربصة، فحيكت الانقلابات العسكرية في البلدين لتسرق جهود وتضحيات أولئك الشباب وتعيدها إلى حظائر العسكر فتحيل أحلام الشباب الثائر إلى كوابيس اقتصادية وأمنية، ومعيشة كارثية كما عبر عنها ببساطة وعفوية "سائق التوكتوك".

أما على الطرف الآخر من المعادلة فقد جاء إلى البلدين جيل من العسكر تربوا في محاريب الطغـاة فأشربوا أكاسير المستبدين وخبثهم فكانوا على شاكلة سابقيهم رغم اختلاف النكهات وتعدد المذاقات.

جيل لايجيد إلا اقتناص أفراد شعبه قتلًا وسجنًا وتنكيلًا بحجة محاربة الإرهاب. جيل لايهمه إلا الاستحــواذ على ماتبقى من تركـة متهالكة لسلفهم من العسكر. لم تكن لهم نفس الأهداف فحسب بل استخدموا نفس الأساليب كذلك، فما نوق القـذافي وثلاجة السيسي سوى بالونات اختبار قد تبدو عفــوية إلا أنه مثقلة بمجساتٍ للاستشعار.

ثلاجة السيسي جاءت على منوال هرطقات القذافي ، بالون اختبار تهكمي يمزج بين الكذب الرخيص والاستخفاف الصارخ بالسامعين في مهزلة خطابية ركيكة

فبالونات الاختبار التهكمية التي أطلقها القـذافي كانت في بداية حكمه تنفجر أحياناً إن وجدت من يتصدى لهـا من السامعين ويعترض عليها، مامكنه من اصطياد معارضيه والتخلص منهم تدريجيًا حتى أحكم قبضته فصار يطلق هرطقاته الصارخة وخزعبلاته مثل "الشيخ زبير" بدلاً من "شكسبير"، و"البركة أبوعمامة" بدلاً من "براك أوباما" وغيرها) دون أن تجـد من يتصدى لهـا وينتقدهـا.

وصارت هرطقاته مادة للفكاهة والمتعة والتسلية عند الشعب رغم التهكم الصارخ الذي تحمله، فكانت دلالة من دلالات اكتمال الإذعانية ونضوج الحكم الشمولي، ومثل تاريخي آخر على من "استخف قومه فأطاعوه".

ثلاجة السيسي جاءت اليوم على نفس المنوال، بالون اختبار تهكمي يمزج بين الكذب الرخيص والاستخفاف الصارخ بالسامعين في مهزلة خطابية ركيكة، ليضاف إلى ماسبقه – وماقد سيليــه – من إرث تراكمي هزيل لانقلاب السيسي وجوقته الإعلامية الرخيصة في محاولة لترسيخ حكمه الشمولي عن طريق تحقيق ثنائية "الاستخفاف والطاعــة"؛ تمامًا كما فعل القـذافي وفرعــون من قبله.

غير أن العبر التاريخية لاتتوقف عند تلك الثنائية الاستبدادية لاستعباد الشعــوب، بل تتجاوزها إلى أبعد من ذلك فتخبرنــا بحتمية مآل أولئك الطغــاة إلى نهايات مروعـــة كما حدث مع فرعــون قديماً والقـذافي حديثـًا ليكونــوا لمن خلفهم آيـــة وعبرة لمن أراد أن يتعظ ويعتبــــر.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.