شعار قسم مدونات

عن ساحة الجامعة الأمريكية بالقاهرة

blogs-الجامعة الأمريكية

المساحات التي تسكن داخلنا قبل أن نسكنها، تلك المساحات التي تتفاعل معنا وتترك أثرها في نفوسنا. المساحات هي التي تخلق إمكانية بناء علاقات مع النَفس، المكان، الدين. المدن الإسلامية قديماً كانت المساحة التي خلقت لنا علاقات تتجاوز الدم والعرق، وتجعلنا نتحرك ككتلة مجتمعية، واحدة وذلك كان يتجلى في شكل العمران بما يحمله من تراث ويحافظ على العلاقات.
 

مساحات الدين هي المساحة التي تشملنا وتحيط بنا، والعلاقات فيها ليست رأسية هرمية بل أفقية دائرية نرتقي في مستوياتها كلما اقتربت نفوسنا من الوحي، فالعلاقة محكومة بمدى القرب أو البعد عن الوحي.
 

الحرم الجامعي
دائماً ما كانت الأسماء التي نطلقها على الأماكن تخلق لنا تصور لهذا المكان، وتجعل خيالنا يجمح ليصور لنا شكل البنايات والمساحات التي حوله ومن الممكن أن نتنبأ بسلوكيات أهل المكان وتفاعلهم معه. عندما دخلت جامعة القاهرة لم يكن لدي أي تصور عن هذا المكان لأن الاسم لم يسمح لخيالي تصور شيء غير زحام القاهرة الذي يبدأ بموعد خروج الموظفين.
 

وبدل ما كانت أعلى نقطة نراها هي الكعبة أصبحت الأبراج الرأسمالية تزاحم فضاء الكعبة وتسرق منه روح المكان وتختزل معنى الطقوس داخله بما توفره من رفاهية.

ولكن، كانت تستوقفني كلمة "حرم الجامعة"، فمن الاسم تخيلت أن ذلك المكان لا يحدث فيه أي شيء مُحرم وهناك قدر من الحياء يجب أن تكتسبه وأنت تقف هناك، وكان الاسم مرتبط لدي بـ"الحرم المكي" ذلك المكان الذي لا يحلّ انتهاكه. لكنني اكتشفت أنه مجرد اسم يطلق على المساحة التي أقيمت عليها الكلية أو الجامعة والمنشآت المؤسسية الأخرى المرتبطة بها!
 

ساحة الجامعة
كان أول يوم أذهب فيه إلى الجامعة الأمريكية، تلك الجامعة التي تُعد من أرقى جامعات مصر في مستوى التعليم والإمكانيات المتاحة لديهم. وكان لدي تصوراً عن تلك الجامعة إنها جامعة أجنبية سوف تٌعبر عن نفسها داخل أرض مصرية بأبنية على طراز غربي فخم، وبعض تماثيل لمفكرين وعلماء ينتمون لهم، ومن باب تبادل الثقافات سيُعبرون عن مصر ببعض الصور لعلماء مسلمين وبعض الخرائط القديمة لمصر في أركان بعض الأماكن.
 

إلا أن الأمر كان مختلفاً تماماً. في البدء لم توحي لي بوابات الدخول بأي شيء مختلف، بل على العكس،عندما وجدت بوابة الدخول تُدعى "بيبسي" قلت في نفسي أن تصوري عن المكان سوف يبدو صحيحاً، ولكن عندما دخلت ساحة الجامعة امتلأ قلبي بشعورٍ غريب، شعرت أن قدمي وطأت ساحة إحدى البلدان الإسلامية قديماً، فقد كانت الأبنية على طراز المعمار الإسلامي الذي يُشعرك بالرضا والطمأنينة ويستحضر داخلك قيم ومعاني وثيقة الصلة بالحضارة التي يمثلها ذلك المعمار.
 

بدأت أخطو نحو المكان وأكتشفه أكثر، وسُرعان ما بدأت التناقضات الفجة، فلم أكن أتخيل ذلك المكان يسكنه أحد أفخم المطاعم والكافيهات التي تهدم قيم الاعتدال والتوسط، وتبرز سلوكيات الإسراف والتبذير. وفي الأرجاء، ينتشر أُناس لا ينتمون للمكان بأي صلة فتنتشر الموضة بكل مستوياتها العليا ولا تستطيع أن تلاحظ أي تفاوت طبقي بينهم. كما تنتشر في الزوايا بعض الإعلانات لحفلات غنائية، وبعض الشباب يفترشون الأرض بأجهزة كمبيوتر، ولم ينظر أحدهم إلى الأخر بالرغم من تواجدهم في نفس المساحة. إنهم يفقدون بسهولة علاقات التواصل فيما بينهم.
 

المعنى والمبنى
دائما ما كانت الحداثة تتدخل في مساحاتنا المادية واحتياجاتنا الأساسية ولكن الأمر الآن اختلف فأصبحت الآن تدخل في مساحات الدين، وتسعى لنزع القداسة عن شعائرنا وتراثنا. فقد أُصبنا بصدمة بعد أن شاهدنا أبراج الفنادق والمولات تحيط بالحرم المكي، وبدل ما كانت أعلى نقطة نراها هي الكعبة أصبحت الأبراج الرأسمالية تزاحم فضاء الكعبة وتسرق منه روح المكان وتختزل معنى الطقوس داخله بما توفره من رفاهية.
 

في الجامعة الأمريكية، وجدت نوعاً جديداً من نزع الهوية، جاء ذلك من خلال تطويع واستخدام التراث الإسلامي في إضفاء نكهة وصورة جمالية لمجتمع استهلاكي يقوم بإحلال القيم الإنسانية التي تبرزها البنايات بقيم رأسمالية استهلاكية. فالعمارة الإسلامية التي تعكس تعاليم الإسلام علـى بعـض عنـاصر تصميم المسكن مثل الشكل الخارجي، حيث يعبر بشكل صريح عن طبيعة مواد البنـاء وطريقـة الإنشاء ووظيفـة المبنى والعفوية والتلقائية والبساطة، أما الارتفاعات فهي يجب أن تحترم الخصوصيات، ولا يحجب الشمس والرياح عنه.
 

أما التصميم العمراني فيتم تحديد عرض الطريق ومعالجـة مداخل المساكن وتوفير الإضاءة والهواء النقي ووجود طابع، وانسجام بالمنطقة. أما الأن فيتم الدخول إليه من بوابات تٌدعى "بيبسي" بعد ما كانت بوابات "الفتح والنصر والفرج..".
 

الجاهل بالمكان أعمى ،لا أقصد بالمكان خريطة الشارع ولا أين يبدأ وأين ينتهي، بل المكان الذي يخصنا وتسكن فيه حكايتنا وذاكرة حواسنا الخمس فيه

والساحات التي كانت تبعث السكينة للنفس أصبحت تشوبها الموضة وضجيج السلع، والساحات أصبحت لاستعراض الموضة وإقامة الحفلات بعدما كانت تُستخدم للتواصل بين الناس فكانوا يمرون بأحوال الدنيا والدين ويعقدون جلسات في الأركان والزوايا ومن خلال ذلك يوثقون روابط المجتمع ببُنية أخلاقية وسلوكية للفرد في مجتمع إنساني وتراحمي. في العمارة الغربية،تكون الوحدات أشبه بالذرات التائهة لا تُحقق التواصل والاتصال، إنها تعزل الإنسان عن مجتمعه وتجعله يتسم بالفردية،أما العمارة الإسلامية فتستهدف الروح وتُركز على الترابط الاجتماعي والنفسي.
 

أبنية ميتة
يدخل مُدرس البلاغة في بداية العام الدراسي ليقول لنا "كل الكلمات ميتة حتى وجدها أحدهم ويُسكنها في سياقها فتحيا"، وكذلك كل الحضارات ميتة إذا لم نجدها في سياقها. فكل حضارة لها سياقها التاريخي الذي تنهل منه ويرسم لها مسارها، فإن نزعنا جزء من حضارة ما خارج سياقها، فإنها تبقى تائهة لا نشعر بوجودها ولا تعكس لنا حقيقتها مهما تكرر تواجدها حولنا، إنها تبقى غائبة حتى تفنى ولم تستطع أن تُعرّف نفسها.
 

الاهتمام بـإبراز المقومـات الـشكلية والزخرفيـة للتراث الإسلامي كمظاهر للـتراث والأصـالة دونـما أدنـى محاولـة لاكتـشاف الأسباب وراء ذلك يجعل ذاكرة المكان غير حية في أذهان الناس، وتبقى ذاكرتنا التاريخية للتراث هي ذاكرة التراث مقطوع السياق.
 

"الجاهل بالمكان أعمى ،لا أقصد بالمكان خريطة الشارع ولا أين يبدأ وأين ينتهي، بل المكان الذي يخصنا وتسكن فيه حكايتنا وذاكرة حواسنا الخمس فيه" رضوى عاشور.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.