شعار قسم مدونات

على نفسه يجني محمود عباس!

blogs-عباس والفرصة
يواجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس محاولات محمومة عربية وإسرائيلية لاستبداله على الأخص بغريمه الأكثر حظا وهو محمد دحلان المدعوم من عدد من الدول العربية. ولذلك فمن المفترض أن يكون السلوك الطبيعي له هو الالتحام مع قوى الشعب الفلسطيني لتشكل له حماية سياسية، بدلا من أن يواجه هذه المحاولات منفردا.
 

ولكن زيارته الأخيرة للدوحة أظهرت أنه ليس ذلك الرجل الذي يحسن تدبير أمور قيادته وشعبه، فقد أفشل المحاولات القطرية للتقريب بينه وبين حماس ورفض الخوض في تفعيل عملية المصالحة واكتفى -حسب مصادر موثوقة جدا- ببث همومه وشكوكه في دحلان ومحاولات بعض الدول العربية الإطاحة به، دون أن يكلف نفسه جهدا لتصفية خلافاته مع أقوى مكون معارض له في الساحة الفلسطينية وهي حركة حماس.
 

وفيما فشلت محطته في قطر في تحقيق إنجاز سياسي، فمن المرجح أن تواجه محطته الثانية "تركيا" نفس المصير

حيث إن ذلك يشكل حائط الصد الوحيد للتدخلات العربية والإسرائيلية في القضية، وكفيل بإفشال محاولة فرض قيادة بديلة مثل دحلان الذي ترى حماس أنه شخص خطر على المشروع الوطني الفلسطيني نظرا لارتباطاته الخارجية وتدني سقف مواقفه من إسرائيل.
 

وحسب مصادر موثوقة، فإن عباس الذي أفصح عن الدعم الذي يتلقاه دحلان من الرباعية العربية، استمر في مواقفه المتعنتة من الحوار الفلسطيني محيلا ذلك إلى لجان الحوار التي لم تتمكن من إنجاز أي من ملفاتها العالقة حتى الآن بما فيها الحكومة المؤقتة ورواتب موظفي الحكومة في غزة، وغيرها من الملفات. ويبدو أن عباس مهتم إلى أبعد الحدود بعدم دعم حماس لدحلان في محاولاته التقرب منها والسماح لأعضاء الحركة المؤيدين له بالخروج لحضور مؤتمر فتح السابع المتوقع انعقاده خلال الشهرين المقبلين.
 

وقد حصل الرئيس الفلسطيني على تطمينات من مشعل وهنية اللذين التقياه، ولكنهما أكدا له أن الحركة ستسمح لجميع أعضاء فتح بالخروج من غزة بدون استثناء حتى لو كانوا من مؤيدي دحلان. إلا أن هذه التطمينات لا يمكن أن تتجاهل الدور النشط لدحلان "بدعم من مصر" في محاولة التخفيف من حصار قطاع غزة، وتمديد فترات افتتاح المعبر، والتواصل مع كافة فئات المجتمع من خلال المؤتمرات القادمة التي ينوي عقدها في مصر، ومحاولاته إدخال مساعدات للقطاع المحاصر بما يعزز مكانته بين أبناء فتح في غزة على حساب دحلان.
 

كما أن دحلان يستثمر المال في مخيمات الضفة لتعزيز موقعه وزيادة أتباعه في المؤتمر استعداد لوراثة عباس. إلا أن هذا الأخير يبدو فاشلا في مواجهة دحلان، فباستثناء إجراءات تنظيمية وأمنية بحق مؤيدي دحلان في فتح، فإن الرجل لا يتمكن من مجاراة دحلان الطموح على الأرض وذلك لأسباب عديدة أهمها: الفساد الذي ينخر في سلطته، وجمود عملية التسوية على الأرض، والدور الذي تلعبه حماس بالمقاومة في كشف تعاونه مع إسرائيل وزج المقاومين بالسجون ومواجهة انتفاضة الأقصى والتصدي لها.
 

وفيما فشلت محطته الأولى -في سياق الاستقواء بدول أخرى ترفض مواقف مصر والإمارات- في قطر في تحقيق إنجاز سياسي، فمن المرجح أن تواجه محطته الثانية "تركيا" نفس المصير، لأن هذه الدول تعمل على تركيب معادلات سياسية وليس دعم أشخاص في مواجهة أشخاص آخرين.
 

التفاهم الفلسطيني على الانتفاضة والمقاومة يظل السبيل الوحيد لإنقاذ القضية من مشروع التصفية على يد بعض القيادات التي رهنت نفسها لأطراف خارجية

وقد عززت زيارة عباس للكيان الصهيوني للتعزية بالرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز المعارضة الشعبية له، وأدت إلى زلزال من الاعتراضات عليه في الداخل والخارج الفلسطيني والعربي، دون أن ينجح في رفع الفيتو عليه من إسرائيل، في الوقت الذي استغل فيه دحلان الزيارة للطعن بأهلية عباس للقيادة. كما أن خطوة الرئيس الفلسطيني بإلغاء الانتخابات البلدية استجابة لضغوط إسرائيلية وللجنة الرباعية لم تحقق الهدف المطلوب منها، فقد استمرت الجهود العربية والإسرائيلية لاستبداله، فيما أضاع هو فرصة ثمينة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني!
 

وهكذا، فإن الحسابات الخاطئة لعباس تجعله غير راغب بالتوصل لاتفاق ناجز مع حماس وقوى الشعب الفلسطيني، على اعتبار أنه لا يزال يعول على الأطراف التي تريد عزله ولا يريد اغضابها حتى لا تسرع بمخططاتها لعملية العزل. ولذلك لن يتمكن ومن حوله من دفع الخطر الداهم بتسليم السلطة لدحلان أو لشخصية أمنية أخرى "ماجد فرج" وربما تحت جناح شخصية سياسية مثل ناصر القدوة. وسيكون عباس هو الخاسر الأول من سياساته إن لم يغيرها في الوقت المناسب.
 

وقد أشهد الرئيس الراحل ياسر عرفات العالم على موقفه الصلب الرافض للتنازل عن القدس ورفض الرضوخ للضغوط ودفع لذلك ثمنا غاليا باغتياله الذي نفذته إسرائيل عبر شخصيات عميلة في السلطة سيكشفها التاريخ عاجلا أم آجلا.
 

ولهذا، فإن التفاهم الفلسطيني على الانتفاضة والمقاومة يظل السبيل الوحيد لإنقاذ القضية من مشروع التصفية على يد بعض القيادات التي رهنت نفسها لأطراف خارجية، وهذا ما يجب أن تعمل عليه القوى الفلسطينية بصرف النظر عن موقف فتح الرسمي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.