نوستالجيا عبدالناصر (2)

blogs- السيسي عيد الناصر

أفرزت سياسات عبدالناصر عدة ظواهر ظهرت في عهده، وفي عهد كل من تلاه في الحكم من العسكريين الذين شعروا بالحنين إلي عصره، فانخرطوا في تشييد عصر ناصري جديد.. وفي المقال السابق تحدثت عن بعض هذه الظواهر، وفي هذا المقال أستطرد حديثي عن باقي تلك الظواهر.
 

– القبضة الأمنية والقمع البوليسي:
كانت سجون عبدالناصر تعجّ بالمعتقلين من شتى الفرق والتيارات والمذاهب، فكانت مليئة بالطلاب واليساريين والعلماء والإسلاميين، وكان مخبرو وقيادات المخابرات تحت إمرة صلاح نصر يملؤون الشوارع وينتشرون في الأزقة والحواري، حتي إن المثل المصري الدارج "الحيطان ليها ودان" كان أول ظهور له في عهد عبدالناصر.
 

وفي هذه النقطة يقول عبدالرحمن فريد "أحد الضباط الأحرار" إنه من خلال القبضة الأمنية التي كانوا يُحكِمونها علي البلاد، كانوا يدبرون مظاهرات طلابية تدعو للتخلي عن الديمقراطية، وإقصاء الحرية بعيدا عن الحياة السياسية والاجتماعية، وذلك لترجيح كفة عبدالناصر في أثناء صراعه مع نجيب.
 

كان لتأميم الصحف وتسخيرها لأهواء النظام أثر كبير في تغييب جموع الشعب الذي أفاق مفزوعًا على دَويّ هزيمة 1967 التي خسرنا فيها أرضا من أرضينا ودُمرت 80 بالمئه من معداتنا وأسلحتنا

لم تكن هناك أحزاب أو صحف معارضة، ولم يكن أحد يقدر على مخالفة النظام، كان كل من يجْهر برأيه المخالف لسياسة النظام يُرمَى به في غيابات المعتقل، ولا يعود لأهله مرة أخرى إلا جثة هامدة أو مشوهًا من كثرة التعذيب.. كان صوت واحد هو السائد، وكلمة واحدة هي السارية، ورأيٌ واحد هو الرائج، رأي جمال عبدالناصر، وهذا ما حدث أيضا في عصور كل الرؤساء الذين تلوه، ولكن كان القمع أخفّ وأقل وطأة.

– الجهل السياسي العارم:
كان الجهل السياسي مستشريا ومتجذرًا في عقول المصريين خلال حقبة نظام عبدالناصر، وكان ذلك نتيجة للقبضة الأمنية القوية على وسائل الإعلام وتوغل نظام عبدالناصر في السيطرة علي مراكز الثقافة والإعلام، ويؤكد ذلك ما يحكيه محمد فايق "وزير إعلام عبدالناصر" عما حدث عندما استقال عبدالناصر وترك السلطة لنائبه زكريا محيي الدين، فيقول إنه فوجئ بأعداد كبيرة من الثوار يهجمون عليه قاصدين قتله معتقدين أنه زكريا محيي الدين الذي تولي الحكم بدلا من عبدالناصر، حيث قرروا تنحية زكريا محيي الدين عن الحكم بالقوة من شدة حبهم لعبدالناصر.
 

هؤلاء الناس كان لديهم جهل سياسي لدرجة أنهم لم يكونوا يقدرون على التفريق بين نائب رئيسهم ووزير إعلامه! ويعلق "إميل نحلة"، مدير برنامج الإسلام السياسي في الولايات المتحدة على خروج أعداد غفيرة من الشعب بعد تنحي عبدالناصر على أثر نكسة 1967 لتطالبه بالرجوع مرة أخرى، فيقول "بعدما أقدم رئيس الجمهورية الذي كان ضابطًا على عرض استقالته، تجد أنَّ الشوارع غصت بآلاف المواطنين المطالبين إياه بالبقاء في منصبه.. هذا أشبه بشيء غريب، لم نرَ كذلك سابقا!".
 

ويتجلى هذا الجهل السياسي للشعب أيضا في عصر عبدالفتاح السيسي، عندما خرج الملايين في 30 يونيو لتأييد عودة حكم العسكر مرة أخرى، الحكم الذي ذاقوا ويلاته طوال ستين عامًا وخرجوا في يناير 2011 لإسقاطه!
 

– السَّفسطة الإعلامية الجوفاء:
كان لتأميم الصحف وتسخيرها لأهواء النظام أثر كبير في تغييب جموع الشعب الذي أفاق مفزوعًا على دَويّ هزيمة 1967 التي خسرنا فيها أرضا من أرضينا ودُمرت 80 بالمئه من معداتنا وأسلحتنا العسكرية، ومات فيها أكثر من مئة ألف مواطن.. كانت السفسطة الإعلامية تملأ الدولة عنجهية فارغة، فكانت أخبار غزو إسرائيل وتطويق تل أبيب تملأ الصحف وتتصدر المانشيتات، وكانت أخبار الوحدة بين الوطن العربي كله بزعامة مصر تَسري كالنار في الهشيم، وكانت أخبار المشروعات العملاقة كإقامة مفعل نووي تملأ فضاء مصر، ولا يحدث فعليا أيٌ من هذا الهراء، ولا يتحقق أي من هذه الأخبار والوعود الكاذبة.
 

ويعلق د.مصطفى محمود على هذه الظاهرة في كتاب "الإسلام السياسي والمعركة القادمة" فيقول "وعاش عبدالناصر عشرين عاما في ضجة إعلامية فارغة ومشاريع دعائية واشتراكية خائبة، ثم أفاق على هزيمة تقسم الظهر وعلى انهيار اقتصادي وعلى مئة ألف قتيل على رمال سيناء وعتاد عسكري تحول إلى خردة، وضاع البلد وضاع المواطن".
 

ولم يخلُ عصر السادات من هذه السفسطة الإعلامية، وخصوصًا عندما وقعت ثغرة الدفرسوار؛ حيث لم يسمح السادات حينها بتسرب أحدث هذه الواقعة إلى الإعلام، ووقع خلاف بينه وبين الفريق الشاذلي الذي كان يرى أن الشعب من حقه أن يعلم ما يحدث على أرضه وفي معركته، واكتفى إعلام السادات بالسفسطة والعنجهية ونشر أخبار الانتصار فقط، ولم يعلم أحد بالواقعة التي غيرت مسار الحرب تماما ووهبت لإسرائيل مركزًا قويا استندت إليه في أثناء مفاوضاتها مع مصر إلا بعد ذلك بسنين عدة أخفى إعلام السادات خلالها أحداث الواقعة.
 

استغل عبدالناصر نفوذ رجال الدين وقدرتهم على تحريك مشاعر قطاعات كبيرة من الشعب المصري، فعمل على ضم منظمة رجال الدين المتمثلة في الأزهر إلى ركبه

وأنا هنا لا أقلل من دور السادات في الحرب ولكن أرصد طريقة تعاطيه مع ثغرة الدفرسوار وسياسة التغييب التي استعملها لإيهام الناس بأننا سحقنا إسرائيل كما كان يفعل عبدالناصر.. أمَّا عن السفسطة الإعلامية في عصري مبارك والسيسي فحدِّث ولا حرج، فهي تحتاج لأكثر من عشرة مقالات كي أتحدث عنها ولن أوفيها حقها في النهاية.

– ظاهرة شيوخ السلطان:
استغل عبدالناصر نفوذ رجال الدين وقدرتهم على تحريك مشاعر قطاعات كبيرة من الشعب المصري، فعمل على ضم منظمة رجال الدين المتمثلة في الأزهر إلى ركبه، في ما يعرف بالقانون 103 لسنة 1961، والذي ينص على أن يتم تعيين شيخ الأزهر بقرار جمهوري من بين أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، وهم هيئة كبار العلماء في القانون القديم الذي كان ينتخب من بينهم شيخ الأزهر..
 

ولكن ألغيت الهيئة في القانون الذي أعده عبدالناصر وحل محلها مجمع البحوث الإسلامية والذي يعين أعضاؤه أيضا وكذلك رئيس جامعة الأزهر وعمداء كلياتها الأزهرية، بل وشيوخ المعاهد الأزهرية وهذا يعكس سيطرة الدولة على الأزهر.
 

وفي عهد مبارك عندما أشيع أمر تعديل هذا القانون وإرجاعه إلى ما كان عليه رفضت الحكومة ذلك الأمر وكذلك البرلمان الذي تجاهل وجود المشروع من الأساس وفقا لما أعلنه زعيم الأغلبية د.عبد الأحد جمال الدين وأمين التنظيم في الحزب الوطني أحمد عز.