شعار قسم مدونات

ملوثات سمعية

blogs-الشباب

الكلمة أمانة، والأمانة أثقل من الجبال.
لو تخيلنا أن كلماتنا بساطاً سحرياً ينقلنا كما نتلفظ فإلي أي مكان سنُنقل؟
لم يتبقَ أحد على وجه هذا الكوكب إلا والتصقت بمسامعه لفظة غريبة خارجة عن المألوف تصل إلى مستوى وحد "الإباحية"! المدرسة، الشارع، المواصلات العامة، الجامعة، النوادي ومختلف وسائل الإعلام إضافة إلى العالم الأوسع مواقع التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها.

استخدام الألفاظ النابية في الكلام أو التعبير عن شيء ما هو إلا ضعف في العقل وإدراكه فيختار ما هو دون ليتماشي معه

المشكلة في الألفاظ النابية أن من يتلفظ بها يكون على ثقة كبيرة وقناعة واسعة أنها "عادي ، عادي جداً"، إما تعبيراً عن غضب أو استياء وربما في إطار المزاح -كما يزعمون- فوجهة نظرهم تتلخص في أننا لسنا في عالم مثالي أو على أرض الفضيلة مثلا.

ويكثر التلفظ بالكلمات الخارجة في المبارايات الرياضية أو في التفاعل مع القضايا السياسية، بمنتهى البساطة حتى أن غياب ذلك المشهد قد يجعلك تظن أنك لست في الواقع. أصبح الأمر آفة كبيرة وتفشت في العالم سواء العربي أو الغربي.

وقد كان لي تصور أنها ربما تكون ظاهرة منتشرة في طبقات المجتمع ذات المستوى المنخفض اجتماعيا أو ماديا لتدني العلم والأدب والثقافة، لكن الواقع لا ينطق بذلك، وأصبح الأمر لدى الشباب كعرض قوة العضلات، ولكي يصبح مواكبا للتقدم فيما يعرف بـ "روش".

الأدهى من ذلك وصول الأمر للفتيات وانتشاره بطريقة واسعة بينه بدون حياء أو تخوف !
صار الأمر يحاصرك بشكل خانق، حتى أن الكثير من الكتاب الكبار المعروفين عالمياً ودولياً يمارسه أيضاً، وتحولت أي جملة أو كلمة خارجة إلى شئ مثير للإهتمام لدى طائفة واسعة من القُراء.

واختلط الأمر بالفنون المختلفة كالسينما والمسرح والتليفزيون "طابعين" عليها مما هو خارج عبارة للكبار فقط، أصبح الأمر مستفزا دافعاً للفضول وحب الاستكشاف ؟ شاملاً في ذلك جمهور الصغار وخاصة المراهقين.

السؤال الأهم من أين يلتقط الصغار هذه الألفاظ ويكبرون بها ومعها ؟ الشارع، وسائل الإعلام، المدرسة، الجامعة، الأصدقاء، وسائل التواصل الإجتماعي، المنزل؟ كيف يمكن خلق حيز نقي خالي من هذ الملوثات السمعية واللفظية ؟

تكمن الإجابة في تصوري في النقاط التالية :
-النشأة السليمة والتربية الصحيحة التي يتربى عليها الطفل تبني بداخله الوعي والقدرة علي التمييز بين ما هو مسموح وما هو غير مناسب وما هو منافي للأخلاق والعقائد السماوية.

-التوصل إلى كيفية زرع الوعي الخُلقي لدي الأطفال بأن مثل هذه الأشياء تجعله ملوثاً وغير صالح لمواجهة مخاوفه أو أخطائه، واعتماداً على ذلك سيصبح الطفل عدوى إيجابية لمن حوله في المجتمع لا مصاباً بصدمة العالم الخارجي وما فيه من سيئات ولا متمادياً معه دون وعي.

وكما قال رسولنا الأمين صلي الله عليه وسلم " لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ". صحيح أن مايقال يذهب بعيداً إلى الخارج، ولكن بخروجه هذا يدخل مكان آخر بأثر سواء كان طيباً أو سيئاً، والأثر دائما يبقى.

فاستخدام الألفاظ الخارجة في الكلام أو التعبير عن شيء ما هو إلا ضعف في العقل وإدراكه فيختار ما هو دون ليتماشي معه ، وهو أيضا شرخ واسع في جدران المجتمعات، وفقر أخلاقي لن يصل إلا لهاوية كما أكد الشاعر أحمدشوقي  في قوله :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه … فقوّم النفس بالأخلاق تستقم
إذا أصيب القوم في أخلاقهم … فأقم عليهم مأتماً وعويلاً

وطبقاً لما جاء أيضاً في مجلة تايم الأميركية لعام 2013 أن الشتائم تؤثر فسيولوجياً على أجسادنا، حيث وجدت إحدى الدراسات أنّ نطق الشتيمة أو سماعها بصورة مستمرّة يؤدّي إلى تعرّق بالكفين! ،وإضافة إلى ذلك قد ذكرت أيضاً أن أبرز الكلمات البذيئة في وقتنا الحالي كانت متواجدة طيلة أكثر من ألف عام.

ويعتبر الرومان من أوائل من أوجدوها، وكان يُعتقد أن النطق بها يؤذي النبي عيسى-عليه السلام- .
فاختاروا بساطاً سحرياً ذا إتجاه وطريق أفضل بدلاً من هاوية لا مخرج منها .

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.