حالة إدمان لمواد الثانوية العامة !

blogs-الثانوية العامة

قالوا: من طلب العُلاَ سهرَ الليالِ. والمعنى الحرفي لها السهر وقلة النوم والتعب، وإن كانت تحتوي على معاني أخرى، خضعتُ لها غيرَ مغترٍ بغيرهاَ، حتى كادت تهلكني بسبب خطأ في فهمها. كُنت في المرحلة الثانوية الثانوية منذُ سنوات قريبة، سهر للفجر ونومٍ قليل، لا ترفيه، ولا فاصل، لا تضيع أي وقت طوال الليل والنهار، فقط دراسة. مذبذب بين الدروس ومكتبي وكُتب بارتفاع يتجاوز متر ونصف، لا تستغرب فقد كُنت طالباً في الأزهر؛ حيث دراسة علوم عربية وشرعية وثقافية تتخطى أربعة عشر مادة.
 

ما كُنت أفعلهُ لم أكن مجبراً عليه، قسوة البيئة علمتني الإصرار. النوم كخيار لم يكن أمراً مرغوب فيه، حتى أنني قبل الامتحانات النهائية حوالي شهرين قمت بإخراج السرير خارج غُرفتي وأبقيتُ مكتبي وصف الكتب، أشفاقاً على دماغي كنت أنام قليل من الوقت. ما كنت أفعله طوال الأيام هو مراجعة الكتب هذه ذهاباً وإياباً مع حل امتحانات. بعد انتهاء فترة الامتحانات لم يكن لديَّ أي حماس لفعل أي شيء مما كُنت أخطط لفعله، شعرتُ أن شيئاً فيّ متغيَّر، لا لستُ طبيعاً، ثمة خطأ ما حدث وأنا مُتأثر به، أنسى كتيراً، محتوى الكتب الدراسية لا أستطيع نسيانه ما الأمر؟ وبقيت مشكلة النسيان تسبب لي مزيداً من الإحراج، نسيان أسماء الأشخاص وخلف مواعيدهم.
 

فترة الامتحانات والنتيجة نسمع عن حالات إغماء، طُلاب يُغادرون المَنزِل في الصباح قاصدين قاعة الامتِحان ولا يُعوُدونَ للمنزل، وهُنَاكَ بعضَ حَالات إنتحار أيضاً

بدأت فترة الدراسة الجامعية، الحمد لله حققت حلمي ودخلت الكلية التي أطمح بها. مرت الأيام لكني متأثر بالثانوية أنسى كثيراً مما أدرسه في الكلية، هناك مشكلة لازلت أبحث عنها ولا أعلم من أين أبدأ. تحت هذا التعب وإلى جانب بعض الضغوط من الأشخاص المحيطين بي تنازلت عن هدفي وانتقلت لكلية أعلى مكانة اجتماعية "مع رفضي لفكرة وجود اختلاف بين التخصصات" مما كنت أطمح بها غير مهتم بما يحدث.
 

أثناء الدراسة هناك جزئية تتحدث عن الأعصاب، المخ، والأعصاب، الخلايا العصبية، التشابكات العصبية. جذبني الموضوع جداً وبدأت أقرأ فيه، مع الوقت أصابني الملل حيث أن اللغة إنجليزية وأني لازلت متوسط فيها فتركتها. تمر الأيام وبعد تحسين مستوى اللغة عندي قررت التطوع في موقع بوظيفة مُترجم مقالات أجنبية ومن ثم نشرها في الموقع ليستفيد بها العرب. حُددَ لي ستة مقالات مطلوب مني ترجمتها وبسم الله بدأت.
 

يأتي المقال بعنوان "The Brains Delete Button" أو زر المسح في الدماغ. الدماغ مليئة بالوصلات العصبية التي تربط بين أجزاء المخ المختلفة، وعندما تُثَارُالخلايا العصبية فإنها تُخْرِجُ إفرازاتٍ كيميائية تقوي وتعزز الاتصال بين أجزاء مختلفة من المخ. على سبيل المثال: عندما تأكل طعاماً لذيذاً، فإن دماغك يقوم بإفراز هرمون "الدوبامين" وهو المادة الكيميائية التي تجعلك تشعر بالسعادة. مثال أخر: عندما تسلّم على شخص تحبه وتهتم به فإن دماغك يفرز مادة كيميائية تُسْمَّى oxytocin والتي تساعد على الارتباط بين الناس.
 

وبمرور الوقت فإن الاتصال بين أشياء معينة يصبح أقوى، بينما بعض الاتصالات الأخرى يمكن أن تصبح أضعف ما لم يتم تنشيطها للحظات. الدماغ شبيه بالحديقة لكن بدلاً من نمو الأزهار فيها، تنمو وصلات شبكية بين الخلايا العصبية. هذه الوصلات الشبكية هي النواقل العصبية للمواد الكيميائية. ولأن هذه حديقة فلابد من وجود عامل أو "جنايني" فيها يقوم بتهيئة المكان لزراعة أزهار جديدة. الدماغ يوجد به من يقوم بهذه الوظيفة؛ خلايا تُسمى "Glial cells" تقوم بتسريع الاتصالات بين خلايا عصبية معينة، وبعضها يقوم بتقليم "قص وتفريغ" مكان لنمو خلايا جديدة.
 

النوم ليس مُجَرَّد تضيع وقت، إنهُ علم الدماغ يُخبرنا أن تفريغ مكان لاستيعاب معلومات جديدة وعادات جديدة يتطلب النوم.

الجزئية الأهم في المقال ما أهمية النوم؟!
نوع الخلايا التي تقوم بعمل تفريغ مساحة في الدماغ من الشبكات العصبية؛ تقوم بوظيفتها أثناء النوم فنحن يمكننا أن نبذل مجهود قليل في الدراسة بفوائد كثيرة.
هذا ما حدث بالنسبة لي؛ التركيز على شيء واحد فقط "الدراسة". وتعزيز الوصلات العصبية بين بعض الخلايا العصبية، تعزيز بصورة قوية جداً. كنت كل يوم أراجع دروسي القديمة حتى لا أنساها "عملية تعزيز للاتصالات الشبكية". ومع إهمال جوانب كثيرة أخرى في حياتي أصبحت الثانوية بموادها العلمية هي جُلَّ تفكيري.
 

صديقٌ لي لفترة طويلة جداً كانت الحالة الخاصة به على الواتس آب "Do not Study Hard Study Intelligently" نعم نحن بحاجة للتوعية. لو علمونا كما يُعلم الغرب أبنائهم كيف نتعلم لما وصلَ قدُر المرحلة الثانوية العامة لهذهِ الدَرَجة. فكماَ يُوجد هُناك مَوسِم التزاوج في بعض أنواع الكائنات الحية، يُوجد بينناَ مَوسِم المصَائب. فترة الامتحانات والنتيجة نسمع عن حالات إغماء، طُلاب يُغادرون المَنزِل في الصباح قاصدين قاعة الامتِحان ولا يُعوُدونَ للمنزل، وهُنَاكَ بعضَ حَالات إنتحار أيضاً. في المقابل قالَ لي صَديقٌ آخر، أشهد بتفوقةِ، وانَّهُ كان من أفضل 100 شخص في دفعته على مستوى جمهورية مصر "الناس يعطون الثانوية أكثر من حقه".
 

الرسالة التي أودُ أن تصل في هذا المقال: التركيز على شيء في حياتك بصورة مستمرة سوف يترسخ في دماغك، كما أن إهمال بعض الاشياء الأخرى يتسبب في محوها من الدماغ. النوم ليس مُجَرَّد تضيع وقت، إنهُ علم الدماغ يُخبرنا أن تفريغ مكان لاستيعاب معلومات جديدة وعادات جديدة يتطلب النوم. تكوين العادات الإيجابية والسلبية يتم بهذه الطريقة. التخلص من مساؤك يتم بهذه الطريقة. إدمانك لأي شيء أيضاً يتم بهذه الطريقة.