أطلقوا سراحي

blogs- غزة

في صغري كنتُ أعتقد أن من يسجن طائراً في قفصٍ فقد بلغ الطمع مبلغه في قلبه أو لعله يعاني من مرضٍ نفسيّ أو عضويّ يدفعه لأن يقوم بذلك، فيُسقط مشاعره القاسية على كائنٍ أضعف منه قوة وأقلّ حجماً، ليحظى بنصرٍ وهميّ على غريمه المفتعل، ليتطرف أكثر ويشعر بالنشوة أكثر فأكثر.

ما أبسطه من حلم أن تسير من رفحٍ حتى رأس الناقورة من غير حواجزٍ تُذكر، ألاّ تبقى أسيراً لظلم العباد أن تسافر روحك

كبرتُ معتقدة أن ما فعله الشاب كان قمة التطرف، ولم أكن أعلم أن تلك عادةٌ لا أكثر، بينما التطرف في أبشع صوره هو الذي نعيشه واقعاً في قطاع غزة، أسرى لمن لم يعد يفرق بينك وبين الحيوانات، فذاك الشاب لربما حينَ يئن طائره سيُفرج عنه ويطببه ويحاول أن يبعث فيه الحياة، حتى آخر رمق، لكن هؤلاء إن تأوَّهتَ غرسوا في خاصرك سكيناً، وإن طرقتَ بابهم للشكوى أوصدوه أمامك، يريدونك أن تذوب في وجعك رويداً رويداً.

جرّب أن تجلس في غرفةٍ صغيرة، وإن أردت فاستخدم كافة وسائل التواصل الاجتماعي، المهم قرر البقاء فيها لأسبوع دون خروج مطلقاً، أو زدها لشهرٍ إن استطعت، أجدك اختنقت لمجرد التفكير بالأمر، لا عليك لا تجربها فأنت لست مجبراً على ذلك، لكنني مجبر على ذلك في قطاع غزة، هنا أجبرنا على أن نعمي أبصارنا قسراً عن رؤية هذا الكون الفسيح، أولم يخلقنا الله شعوباً وقبائل لنتعارف "لا ليقتل الآخر فينا روح الحياة"، نحنُ نحب الوطن حد الموت، نريد أن نخرج منه لنعشقه أكثر، لنعود إليه بحنينٍ يؤدّب الأرواح.

اعتدت في مراحلي الدراسية على منوالٍ لا يتغير، أصدقاء من ذات اللغة، وذات الثقافة والتفكير، حتى أن الغبطة والغيرة كانت تأخذنا جزافاً حينما نسمع بأن ميلاد تلك الفتاة بإيطاليا، أو المغرب، أو حتى في الجارة مصر، أو في مدينة أخرى بنفس دولتنا المسلوبة كالخليل مثلاً أو حيفا أوغير ذلك، يبدو أنها محظوظة جداً، بالتأكيد لا تشبه أرواحنا، نحن لم نخرج بالكاد بعدد أصابع اليد من مدينتا إلى مدينةٍ أخرى قد لا تبعد سوى بعض كيلومترات، ومع ذلك نعظّمها ونُمنّي أنفسنا بأنه سفر، نقتات الطعام كي لا نجوع في الطريق، وفي الحقيقة أننا جوعى حرية.

عملتُ كدليل إعلامي للعديد من القوافل التي انتصرت بدخولها لغزة كما كانوا يصفون ذلك دائماً، وأن زيارتهم هذه هي بمثابة ميلادٍ لأرواحهم، كنت أتفاخرُ في سري وعلني، بأننا مهوى قلوب الزائرين، وأنني محظوظةٌ لوجودي بينهم، يقدّسون كل كلمة تنزل من فاهي بقصدٍ أو دون قصد، وفي داخلي كومةٌ من غصة تُردد "ليتني أنتصر بالخروج من هذا العالم، لأعود وأقدّس وطني أكثر!".

كم تؤرقني فكرة أن أرحل من هذه الحياة، من غير أن أنهل من نورٍ الله في هذا الكون، وأمنّي قلبي بمعرفة الشعوب والقبائل التي خلقها الله لي لأتعرف عليها أكثر، لأشهدَ أرضاً غير التي خُلقت فيها.

ما أبسطه من حلم أن تسير من رفحٍ حتى رأس الناقورة من غير حواجزٍ تُذكر، ألاّ تبقى أسيراً لظلم العباد أن تسافر روحك، أن ترى ألوان الحياة، لا أكذب عليكَ البتة إن قلتُ أيضاً إنني أريد أن أرى حقولاً خضراء لا تنتهي على مدّ بصري، أريد أن أرى جبلاً أو وادياً أو أي تضاريس غير ما اعتادت عليه مخيلتي.

أود أن أخرج إلى بلاد الله الواسعة، أتعلم حرفاً، لغةً، ثقافةً غير تلك التي جُبلتُ عليها، أن اتسع لقبول غيرنا

أود أن أخرج إلى بلاد الله الواسعة، أتعلم حرفاً، لغةً، ثقافةً غير تلك التي جُبلتُ عليها، أن أتسع لقبول غيرنا، لسماء غير تلك السماء، وغير تلك المسافة التي نقضيها بساعة من أقصى شمال غزة لأقصى نقطة في رفح جنوباً، أحتاج إلى أن أسير وأسير، أن أرى نور الله يهديني لأرضه، لكل شيء لم يعتد قلبي عليه منذ قرابة الربع قرن عشتها.

وأبقى غارقة في أحلامي، وأردد في كل خطوة أخطو بها إليها، متى سيحمل المواطن الفلسطيني حقيبته حينما يقرر السفر كغيره، ويمضي إلى المطار مباشرةً، بدلاً من أن يشعر وكأنه متسول يتوسل حقه ممن يقف على المعبر، لأن يرحم ضعفه فيطلق سراحه ويسمح له بالمرور، أو أن يعفو عنه فلا يجعله يبيت في العراء ليالٍ لا أستطيع توقع عددها ولا الظروف التي سيعيشها، أو غالباً يعيده إلى حيثما كان ليخبره ببساطة "أنت ممنوع من الخروج" ودون أسباب تذكر.

متى سيطلق سراح أرواحنا لتخرج من هذه البوتقة التي نريد أن نواصل حبها رغم كل الخيارات، لا أن نُجبر عليها، متى ستداس تلك الجدران التي تتغلظ يوماً بعد يوم من كل حدبٍ وصوب، متى ستزول تلك التعقيدات التي أماتت فينا حبَ الترحال، متى ستزال أسلاك تجذرت حول أجسادنا، متى سيتوقف ذُل العباد للعباد، متى سيكفّ الجلاد عن جلدنا، ومتى ستزهر الروح إن طال العذاب.