فُرقتنا العربية.. سر تميزنا!

blogs - arab
لي زميل عمل من نيجيريا في إحدى صدف أحاديثنا..
قال لي: سعيد لإن اليوم هو موعد إجتماع النيجيرين؟ لم أفهم ماذا يقصد فسألته: إي اجتماع ، هنا في الجامعة؟ ابتسم وقال لي: لا.. هذا اجتماع يخص الجالية النيجيرية بكل أطيافها، وقصد هنا المسيحين والمسلمين، عدت و سألته: وهل تجتمعون دائما، قال لي: مرة كل شهرين، نجتمع بطريقة احتفالية، يتم الترحيب بالمغتربين الجدد وتهنئة من تزوج أو تخرج ومساعدة من يحتاج المساعدة..

استثارني الفضول وسألته مُستفهمة: وما نوع المساعدات التي تقدمونها؟ قال لي: هناك مثلاً من يبحث عن شقة للإيجار وهناك أحيانا مشاكل تتعلق بالعنصرية فنتباحث فيها وبعضهم من يكون لديه مشكلة مالية فيتم إعطاؤه من صندوق التبرعات وهكذا، أنا أحب هذا الاجتماع لأنه يذكرني بوطني ويخفف من ألم الاغتراب.

لا نلبث أن نفرح بعمل عربي موحد إلا أن تسود طفرة الإفساد والتفرقة، وتنشأ حروب الأسافين وطعن في نزاهة العاملين في أي مشروع.

في غُمرة حديثه عن نشاطات الجالية النيجيرية التي لا تتعدى مئة شخص في المدينة الصغيرة التي أقطنها شعرت بالنار تغلي في عروقي، أردت فعلاً أن أحسده مئات المرات على هذا التماسك والوحدة بين أفراد جاليتهم، أردت أن أبكي على وضعنا العربي المُفكك حتى في اغترابنا، أردت أن أصرخ في وجه بعض العرب في ألمانيا بأن يفيقوا من أنانيتهم وعنصريتهم اتجاه بعضهم البعض ويكون لهم كيان صغير يحتضننا.

ثلاثة عشر عاما مضت من الاغتراب لم أشهد أي تجمع عربي يوحد صفوفنا -أستثني من ذلك بعض التجمعات الطلابية- ويهتم بمشاكل المغتربين العرب على حد سواء أو يجتمع لمناقشة أهم القضايا التي تهمنا كأجانب بكل قومياتنا وعقائدنا أو نجتمع من أجل انتخابات وسياسة، لكن لا تقلقوا لسنا سيئين لهذه الدرجة فهناك عوامل أخرى تجمعنا مثل منقل المشاوي -الهش والنش- في الأجواء الجميلة وسهرات الأراجيل والموسيقي الشرقية أو الأعراس.

في حين كلنا كعرب مغتربين لا نُنكر قوة الجالية التركية وهيبتها في المجتمع الألماني، فقرراتهم موحدة وصوتهم عال في صناعة قرار وخططهم ممنهجة ومدروسة ولديهم جميعات كبيرة تقودهم وتشد من أزرهم وتوفر لهم الدعم، حتى الألمان يحسبون لهم ألف حساب في أي قرار يتخذونه قد لا يتناسب مع الأقلية المُسلمة كقرار منع الحجاب مثلاً ، فتجد الأتراك يقفون وقفة رجل واحد ويستخدمون القضاء لانتزاع حقهم، لأنهم يعلمون أن لا حق يضيع بالقانون في بلد يحترم القانون في ألمانيا.

بينما إخوتنا العرب كعادة حكوماتهم يكتفون بالشجب والاستنكار على الصامت، ويكتفون بجملتهم المشهورة.. الله يستر! أو دعائهم المعهود.. (اللهم لا نسألك رد القضاء).. مجرد أقوال كالعادة بدون عمل أو موقف موحد، وإن وجد عمل يوحدهم فغالباً ما تطغى عليه الدكتاتورية الشخصية والتملك وتهميش أيدي كثيرة مشاركة وما يتبعه من تصفية الأفضل خوفاً من أن يحتل مكان أحد المسؤولين في جالية أو جمعية عربية ما، وكأننا رضعنا دكتاتورية الحكومات العربية من أمهاتنا وتوارثنا طفرات الفساد في الجينات، فلا نلبث أن نفرح بعمل عربي موحد إلا أن تسود طفرة الإفساد والتفرقة، وتنشأ حروب الأسافين وطعن في نزاهة العاملين في أي مشروع وترتفع راية فرّق تَسُد..!

في مدينة ألمانية صغيرة جداً تقع على الحدود الفرنسية كافح الأتراك لسنوات في المحاكم الألمانية من أجل بناء مأذنة لمسجد، كان جميع العرب أنذاك يقولون فيما بينهم ـ يقاتلون بقرن من طين ـ ولكن بعد عشر سنوات ارتفعت مأذنة مسجد المدينة التركي وأصبح يستقبل مئات المصلين من كافة الجنسيات من والأعراق بالإضافة لمدرسة القرآن والتي تعلم أطفال المسلمين أساسيات الدين الإسلامي، بينما مازال العرب هناك يقتتلون في مُصلى المغاربة ويفتحون مُصليات أخرى وفقاً للقومية.

أين الاثنين وعشرين دولة عربية ؟ يسألني طفلي: أين العرب؟.. غصّت الإجابات في حلقي وقلت له.. للأسف يا صغيري.. لا يوجد أحد.. كلهم هاهنا.. متفرجين فقط.

في ألمانيا أيضاً يقام مهرجان ثقافات الشعوب المختلفة زرت إحداها وقد اصطحبت أطفالي لنتعرف على مهرجان الشعوب وأنا في الطريق أحكي لهم.. عن بلاد العرب أوطاني وأننا اثنين وعشرين دولة توحدنا لغتنا العربية.

دخلت ساحة المهرجان أطالع الأعلام التي ترفرف عالياً محاولة تكذيب ضعف نظري في عدم تحري أي علم عربي؟ والأمل يخفق في قلبي لأرى ماذا جهز عرب المدينة؟ وقفنا لبرهة نطالع بسعادة إلى الشيشان يرقصون رقصتهم الشهيرة بملابسهم التقليدية المزركشة، وهاهم الطليان والإسبان وجنوب إفريقيا وساحل العاج والموزمبيق والصينين والأندونسيين والأتراك.. وعشرات الجنسيات كل منها نصبت خيمة تعرض فيها تراثها وبعض مأكولاتها المشهورة.

ولكن أين الاثنين وعشرين دولة عربية ؟ يسألني طفلي: أين العرب؟.. غصّت الإجابات في حلقي وقلت له.. للأسف يا صغيري.. لا يوجد أحد.. كلهم هاهنا.. متفرجين فقط، أسأل أحد المتفرجين العرب: لماذا لا توجد لدينا خيمة مثل هؤلاء ولو لدولة عربية واحدة؟ يأتي الجواب كالعادة: كلنا لدينا أشغال ولا يوجد لدينا وقت؟ أضحك أقول: سبحان الله نحن شعب الله المنظم الذي يخشى على الوقت، وباقي الشعوب هنا جاءت لتقتل الفراغ باستحضار تراثها وحضارتها أمام الشعب الألماني! عدت وأطفالي يحملون في أيديهم الكثير من الأعلام الورقية والبالونات من كافة دول العالم.. إلا نحن!