شعار قسم مدونات

دمشق ليست مدينة الياسمين!

blogs-دمشق

نعم أعترف أن لهذه المدينة حصة من الشوق في قلبي بوسع ابتعادي عنها، وأعترف أيضاً أنه كلما راودني خيال الحنين أتوضأ بدموعي وأفرك عيوني بغضب وأنهض كمن يتهيأ للقتال، وأعترف أن للذكريات التي عشتها فيها صوت يقرع قلبي فيوقظني من صمتي، لكن دمشق الآن ليست مدينة الياسمين، باتت عريشة دماء.

أخرج من بيتي في السادسة صباحاً، وبعكس كل الروايات السوريالية، لم يكن الصباح خريفياً ولا ممطراً بل كان حاراً قاتلاً بجفافه، من المتوقع أن تأتي الحافلة الآن، إلا أننا انتظرناها ما يزيد عن 45 دقيقة! وبعكس المتخّيَّل من أنك قد تطرب آذانك بصوت فيروز الهادئ أو حتى ترتيل آيات من القرآن الكريم، كان صوت المذياع عالياً جداً كما لو أن الوقت في أوج الظهيرة، أغانٍ تمجد القائد حامي الوطن وأخرى تثني على الجيش انتصاراته على الإرهابيين منتزعي الأمن من قلوب الشبيحة.
 

يصحب ذلك هتافات رنانة تمجد تصدي الشعب للمؤامرة الكونية، ويقطع هذه الاحتفالية صوت مذيعة تخرج بخبر عاجل على المذياع معلنة فيه تطهير مدينة حمص بشكل كامل من الإرهابيين وتستقبل التبريكات من جمهور المتابعين من الوطنيين والمبجلين لانتصارات جيشهم.

جميع من في الحافلة صامتون ولا يقطع هذا الصمت بيننا سوى رنين هاتف لأحدهم فيرد قائلاً "خليكم بالبيت لا حدا يطلع" وكأني في هذه اللحظة كنت على مقربة من القذيفة التي قد تداهم عائلة هذا الرجل، وأقول محدثة نفسي "لاشك أن عائلته على مقربة من الموت، حيث بات هو الخيار الوحيد المقدم للشعب" ذاك الخوف في عيونه لا يعني سوى أن حتفاً قادماً.
 

بت أرى الحزن في وجه كل من جرت الحرب إلى بيته موتاً أو اعتقالاً، جنازات الشهداء كانت متنفسي الوحيد، ووطني صار بقعة افتراضية على الفيسبوك أدون فيه مشاعري

للحظات بتُّ أشعر أني وسط جنون مستعر لا تفسير له سوى الحرب بكل أشكالها، حرب بالقذائف والصواريخ وأخرى نفسية، تركت هذا الجنون المستعر ورائي خشية أن تفضحني دموعي، لينتهي بي المطاف أمام مكان كان يدعى جامعة، لكنه أحيل إلى سجن، توجه للقادمين إليه تهماً عدة، باتت تستدعي أن يجرى تفتيش وتحقيق للداخلين والخارجين إليه.
 

وبعكس المشاع من أن يكون هناك اجتماع للطلبة أمام بابها للتشاور بأمور المحاضرة، أرى صفاً طويلاً من الطلاب المنتظرين مرورهم للتفتيش وتفقد الهويات الشخصية، وإلى أن يحين دوري أضطر لانتظار ما يزيد عن نصف ساعة، ينظر إلي عضو اتحاد الطلبة نظرة لا تخلو من الاتهام، وأنا بدوري ابنة منطقة ثائرة سيكون جرم الإرهاب أول ما يوجه إلي!.
 

أشيح بنظري عنه وألهو بما بين يدي من كتب وأصم آذاني عن صوت اقتياد طالب إلى "مقر اتحاد الطلبة" الذي لا أدري رقمه أو ترتيبه وسط قائمة أفرع المخابرات عندنا، في غالب الظن أن تهمته "مظاهرات" وإلى أن يعلن إطلاق سراحي من زنزانة التفتيش المفتوحة بعد التأكد من أني لا أملك أحزمة ناسفة أو قنابل عنقودية ولا أسحلة كيماوية تحتويها كتبي الجامعية أمر بسلام وأهنئ نفسي كمن نجا للتو من مجزرة.
 

في القاعة يتحدث الأستاذ عن مسائل النحو والصرف لينصرف فكري إلى حيّنا الذي من المتوقع أن تجري له عملية مداهمة كما تحدث الأهالي في جلسات سرية عن معلومات نقلت من ضباط، لأخرج بعد ذلك وأتلقى اتصالاً من جارتنا تقول لي أن الجيش بالفعل داهم الحي واقتاد الكثير من أصدقاء الطفولة.
 

ثم دوهم منزلنا وأول ما فوجئ به الجيش صورة عائلتنا المعلقة على الجدار ولربما خيل لهم أن سكان هذا البيت من أعوان المؤامرة على قائدهم المبجل فكيف لهم أن يستبدلوا صورته المباركة بصورة عائلة "مندسة"! عندما عدت مساء بعد انتهاء المداهمة إلى المنزل وجدت كل شيء قد سرق حتى ألعاب طفولتي لم تسلم من جنونهم، ولا عجب في ذلك لاشك أن إحداها كانت ترتدي حزاماً ناسفاً!
 

أشهر مضت حرمت بها حتى من رحلة الرعب إلى الجامعة، وبتُّ أسخط على كل من ينسى آلام المفجوعين ويتباهى بالياسمين الدمشقي ويتغزل بعصير النارنج! ألا يمكن أن يتذوق طعم الدم مع كل رشفة؟!
 

نصبت ممرات موت قطعت أوصال المدينة، صرت أبحث كطفل تائه عن أمه عن جمال بات مفقوداً فيها، لكنه تلاشى منذ أن غاص أهلها بالنكبات والأحزان، بت أرى الحزن في وجه كل من جرت الحرب إلى بيته موتاً أو اعتقالاً، جنازات الشهداء كانت متنفسي الوحيد، ووطني صار بقعة افتراضية على الفيسبوك أدون فيه مشاعري.
 

دمشق اليوم ياسادة لا تشبه دمشق التي تعرفونها، لم أعد أشتم رائحة الياسمين بعدما تكاثرت الجثث في طرقاتها وعششت رائحة الدماء في كل زاوية من زواياها، وأتعجب حقاً ممن لم تحركه كل الدماء التي سالت وينتفض فور نزول قذيفة في دمشق وينهالون بحملة من الأدعية والخواتم القرآنية من أن ينجيها من المخربين وينسون تخريب جنود الوطن المصونين.
 

دمشق لن تكون مدينة الياسمين إلا في عقول وقلوب من لا يرى الحرب إلا فسحة للتغني بالورود والتباهي بإنسانيته، بينما ينسى أن أصل الياسمين شجرة إن رويت دماً.. أزهرت شوكاً

أتساءل ألم تصل إلى مسامعهم صرخات الثكالى من الأحياء المجاورة؟ ألا يرون العائلات المهجرة وهي محملة بالحافلات خارجة مثقلة بذكرياتها وآلامها؟ ألم يشاهدوا صور الهياكل العظمية للأطفال في جنوب دمشق؟ بل كيف لأخين من ذات الرحم أن يفتدي أحدهما القائد بروحه بينما تغيب أخبار أخيه في المعتقل؟
 

دمشق اليوم ليست مدينة الياسمين ياسادة، أنّى للياسمين أن يزهر وسط الموت والجهل والفحش الذي نعيشه، آلاف الأطفال اليوم يتربص بهم مصير يشبه بسواده مصير مدينتهم، نصفهم ربما لا يعرفون ماالفرق بين الحرف والرقم في بلد الأبجدية الأولى!
 

بينما تقدم فتيات لم يبلغن الخامسة عشر قرابين لزواج فاشل في أغلبه خشية إملاق، أما العشاق الذين كانوا يسكنون الحدائق فلم يعد لهم متسع فيها حيث لن تقع عينك إلا على مظاهر المتسولين وإذا ما أغمضت عينك عن رؤية هذا لن تستطيع إغماضها عن رؤية مشاهد المهجرين المرمين في الطرقات بعد أن باتوا بلا مأوى.
 

دمشق لن تكون مدينة الياسمين طالما عشش الرعب في أزقتها، ومادام هناك أشخاص لا يرون فيها سوى نهراً عذباً شرابه يدعى "بردى" بينما ينسون شلالات الدماء التي تسيل يومياً فيها. دمشق لن تكون مدينة الياسمين أن هناك شهامة عرفت عن أهلها يوماً عاجزة هي اليوم عن رؤية الخوف في عيون الأطفال والرعب في قلوب المحاصرين خارج مساحتها الجغرافية.
 

دمشق لن تكون مدينة الياسمين إلا في عقول وقلوب من لا يرى الحرب إلا فسحة للتغني بالورود والتباهي بإنسانيته، بينما ينسى أن أصل الياسمين شجرة زهورها بيضاء فإن رويت دماً.. أزهرت شوكاً.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.