نازح في وطني

استيقظت في الصباح الباكر كعادتي عندما أذهب إلى المدرسة كما أفعل كل يوم، ولم أكن أعرف أن العراق أصبح ملكاً لأمريكا وقد احتلته في اليوم الذي كنت سعيداً فيه.

وأنا في طريقي إلى أصدقائي ومدرستي فإذا بسيارات الاحتلال تهرع داخل مدينتي التي لم ترى الحرب أبداً فقد كانت تبتسم دائماً وتداعب مزارعها وتضحك لأطفالها . لكن المحتل لا يعرف هذه الأشياء فقد جاء لتدميرها.

الموت يقرع أبواب الأبرياء في المدينة كل يوم، ولا أحد يعلم متى يأتي العدو ويحصد أرواحهم.

بدأت أجراس الموت تنادي الأبرياء من جرائم الاحتلال، مات صديقي برصاصة في الرأس وأحرقوا أمه بعد اغتصابها. وجاري الذي لم يكن يعرف طعم الحياة إلا بعد أن رزقه الله بطفلة أسماها حويجة  وهو اسم المدينة التي أعيش فيها.

أصبحت حويجة طفلة  جميلة مشاغبة في الحي، لكنها لم تكن تدري أن العدو يريد أن يقتلها و يُبكي أبيها وأمها التي لازالت تهتم بتفاصيل شعرها و ألوان ملابسها فقد دهستها سيارة الاحتلال.

لم تذهب حويجة الطفلة إلى الجنة كطائر بل ذهب أخوها وأباها الذي وضعوا الرصاص في قلبه كالكلمات الحارقة. ما باليد حيلة يا أم حويجة ذهبت الطفلة وأبيها وراحت معها أزياؤها وألوانها الجميلة وابتساماتها اللطيفة.

الموت يقرع أبواب الأبرياء  في المدينة كل يوم، ولا أحد يعلم متى يأتي العدو ويحصد أرواحهم. خرج الاحتلال من المدينة فابتهج أهلها وفرحوا لأنهم لا يعلمون أن ذهاب الاحتلال لا يعني ذهاب أفكاره   في النفوس الضعيفة والعقول المريضة.

بعد سنوات من الحرية والموت الذي كان يفتك بالأطفال والنساء والرجال والشباب جاء بعض الرجال يرتدون أزياء متسخة كعقولهم ويحملون بيدهم رايات سوداء كقلوبهم، يدعون أنهم مرسلين من الإلٰه وهم أحفاد الأنبياء والمدينة كانت مع الإسلام فصدقوهم ومشوا خلفهم، ولم يكن متوقع منهم أن يشعلوا الأرواح ويذبحون الأعناق ويسرقون الخبز والأموال ويهتمون بالموت والرصاص .

اهتموا بالبنادق وتركوا السلام للمدينة. لم يكن شيئاً عادياً لمن في المدينة بل كانوا في حالة رعب بسبب الطائرات والقصف العشوائي الذي كان يمطرهم براميل متفجرة. وعندما يصحو الناس يجدون أشلاء الجثث في الشوارع.

كان منظراً مخيفا  يؤلم الأطفال ويبكي النساء ويصرخ الرجال.. لم أعد احتمل البقاء والصمود طويلاً في مدينتي التي عرفت الله فيها وزرعت الأمل في شوارعها.

بدأت الأرض تضيق علينا تؤلم أجسادنا بأشياء لم نرتكبها، فالطغاة لطخوا أيديهم بدماءنا وذبحوا أمام الأنظار أفراحنا وضحكواعلى مآسينا.

حاولت الهروب منها وعلى عاتقي أحزان أشبه بالجبال وفي قلبي منزل كان مليء بالابتسامات. غادرت مدينتي متهجاً إلى كركوك التي  أصبحت كهفا لمن هم مثلي. المنازل مرتفعة الإيجار والشوارع ممتلئة بتجار الأرواح وعلى الرصيف يجلس الفقراء.

كل من في المدينة لا يريد منا البقاء، لكن لم نستطع فعل شيء ليس لنا  سوى الصمت في افواه الكلمات المؤلمة والضربات القاسية. وحتى إن أراد أحدنا عملاً سألوه بحقد أنت نازح ولا يمكن أن تعمل معنا.

وهاهي الأرض بدأت تضيق علينا وتؤلم أجسادنا بأشياء لم نرتكبها، فالطغاة لطخوا أيديهم بدمائنا وذبحوا أمام الأنظار أفراحنا وضحكواعلى مآسينا. مشهد يتكرر في المدينة التي لازالت تقسو على الغرباء وتزيدنا من لوعة الاشتياق.

لم نرتكب ذنباً بهذا الحجم لكي نصبح نازحين في وطننا والجميع يتهمنا بالخيانة للوطن، ونحن الذي قدمنا أرواحنا من أجله، ولكن بات الكثير يكذبنا فقط لأننا أصبحنا مشردين من مدينتنا التي كانت تهتم بنا عكس ما تفعله هذه المدينة التي نحن فيها نازحون..



حول هذه القصة

فجّر اقتحام قوات الأمن العراقية ساحة اعتصام الحويجة مخلفا عشرات القتلى والجرحى تساؤلات عن مستقبل الاحتجاجات المتواصلة في العراق منذ نحو أربعة أشهر، وهل تنوي الحكومة العراقية فض هذه الاعتصامات أم إن الأمر تعلق فقط باعتصام الحويجة الذي ضم مسلحين كما تقول؟

أعلن رئيس لجنة تقصي الحقائق البرلمانية في أحداث الحويجة استقالته من اللجنة، في الوقت الذي دعا فيه رئيس مجلس النواب العراقي أعضاء اللجنة إلى إنجاز تقرير لعرضه في الجلسة الاستثنائية للمجلس الأحد، مؤكداً ضرورة أن تلتقي اللجنة جميع الأطراف المعنية.

تباينت رؤى سياسيين ومراقبين عراقيين حول كيفية إيجاد حل سياسي للأزمة التي تعصف بالبلاد منذ “مجزرة الحويجة” الأسبوع الماضي. فقد رأى البعض أن الحل يكمن في جلوس طرفي الأزمة والتحاور للتوصل لحلول وسط، ورأى آخرون ضرورة انتخابات مبكرة.

توالت علامات الاستفهام بشأن سير التحقيقات بحادث اقتحام ساحة اعتصام الحويجة على خلفية استقالة رئيس اللجنة البرلمانية للتحقيق بالحادث، والنائب عن التحالف الوطني عمار طعمة، وعضوة اللجنة النائبة عن دولة القانون سميرة الموسوي, بالإضافة إلى تتابع الشهادات بشأن ملابسات الاقتحام.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة