ما لم نره.. في فيلم "كفر قاسم"!

لست هُنا لأشكك بفيلم "كفر قاسم"، فقد أبدع المخرج اللبناني برهان علوية من خلاله في إيصال الكثير من تفاصيل المجزرة التي لم يكن لمثلي ممن وُلد وعاش في فلسطين ولا يبعد عن كفر قاسم إلا بضعة خطوات صغيرة أن يعيها ويدركها لولا هذا الفيلم الذي يعود تاريخه إلى عام 1974، فقد غاص المخرج في تفاصيل التفاصيل التي لم نسمعها لا من أجدادنا ولا في المدارس ولا في التقارير الإخبارية المملة التي تحدّثنا عن ذكرى المجزرة كُل عام، حتى أنني بتّ أسمح لنفسي أن أبوح بشيء من النقد يجول في خاطري، ليس انتقاصاً من العمل ولكن لإيماني بالسينما والأفلام الوثائقية، بأنها أفضل للأجيال القادمة من كثيرٍ من كُتب المدارس!
 

من يعرف كفر قاسم، لا يُمكن أن يسمع لهجة الممثلين في الفيلم ولا يستهجن عليهم استخدام الكثير من الكلمات التي لا يُمكن لـ"قسماويٍ" أن ينطق بها ككلمة "ضيعة" بدلاً من "قرية" أو حتى كلمة "كُنّا"، فالقسماوي لا يستخدم فعل "كُنت" ولكنه يقول: "بكيت"، والمقصود ليس البكاء بالطبع.

الأمر لا ينحصر في هكذا كلمات ولكنه أعمق، حيث غفل المخرج عن أخطر ما في الفيلم وهو أهم ما يميّز "اللهجة القسماوية" وهي استخدامهم حرف الـ "تش Ch" بدلاً من الكاف، وهو ما يُعرف في فقه اللغة بـالكشكشة، وكشكشة أهل كفرقاسم بديعة جداً وتستحق "التخليد"، ومن النوادر التي تُحكى في هذه اللهجة أنهم يقولون "مالتشوم تِشلتشوم ميتحوبتشين على الأتشيل ما الأتشيل بتشفيتشوم تشيلايتشيم تشيلايتشيم"، يقصدون بها "ما بكم كلكم مجتمعون على الأكل، الأكل سيكفيكم كلكم كلكم".

ومن يعرف فلسطين ونكبتها، يعرف أن التراث الفلسطيني يُنتكب يوماً بعد يوم واللهجة الفلسطينية وبالأخص لهجة الفلاحين وبالأخص "كشكشة" أهل كفرقاسم آخذه بالانقراض، وهناك اليوم جهود عالميّة لحفظ هذا التراث مثل ما قام به الباحث الألماني "أولرش زيجير Ulrich Seeger" من جامعة هايدلبرغ الذي ألّف "موسوعة" مصغرة من 3 أجزاء حول لهجة قرى رام الله بعد زيارته 68 قرية والحديث مع أكثر من 120 شخص وبحث لأكثر من 10 سنوات، وإن كانت هذه جهود الألمان في حفظ لهجاتنا، فأيّ جهودٍ مُلقاة على عاتقنا؟

في كفر قاسم.. لا يكون العرس حقيقياً إن لم يوجد فيه "الفستق المملح"، وفي رمضان وقبل الإفطار تجدهم لا يتخيّلون مائدة رمضانيّة دُون الفلافل

هكذا سهوٍ لا ينتقص من الفيلم، فقد أبدع المخرج في إبراز عشق أهل القريّة للمقاهي وكيف كانوا يجتمعون للاستماع لخطابات عبد الناصر عبر المذياع وكانوا يرون الأمل فيها ويرتقون تحرير فلسطين، كما أبدع في ابراز مُعاناة الشاب الفلسطيني الذي اضطّر لتغيير اسمه كي يتمكن من العمل في تل أبيب، وبالتالي تسليط الضوء على مُعاناة أهالي كفر قاسم والداخل الفلسطيني في مرحلة الحكم العسكري التي استمرت لأكثر من 18 عاماً، وأهم ما في هذا ابتعاد المُخرج عن البكائيّات المطولة والبطولات المصطنعة!

أما إبراز مُعاناة أهل كفر قاسم عند باب بيت المُختار وتدافعهم للتواصل مع ذويهم من اللاجئين والمهجرين من خلال المذياع مع أهلهم في سوريا ولبنان، فهذه ليست مفهومة ضمناً، خاصّة أن تميّز كفر قاسم يكمن في بقاء أكثر أهلها فيها، وبالتالي فمسائل اللجوء لا تُشغل حيّزاً كبيراً من مُعاناة أهل القرية مثل باقي القرى والمدن الفلسطينية كيافا واللد والقرى المهجرة المجاورة مثل المحمودية ومويلح وعرب ابو كشك، ولكن الأصعب منها هو شعور العُزلة عن العالم العربي لديهم بعد البقاء، والشعور بنوع من "الحصار" تحت الاحتلال الاسرائيلي والحكم العسكري، فهي واقعةٌ بين مدينة بيتاح تكفا الإسرائيلية والحدود مع الضفة الغربية التي كانت حينها مع الأردن ولا يحق لأي انسان عبورها ولو عبرها "تهريباً" لقي أشد العذاب!

عموماً، فإن لكفر قاسم طقوسٍ غريبة وخصائص نادرة تستحق لفتة من أي مُخرج يرغب بإنتاج فيلم عنها مستقبلاً، يليق بخصوصيتها، فمثلاً لا يكون العرس فيها حقيقياً إن لم يوجد فيه "الفستق المملح"، وفي رمضان وقبل الإفطار تجدهم لا يتخيّلون مائدة رمضانيّة دُون الفلافل مع شيء من الفجل والخس، والأعجب من هذا أنهم لا يحيون ذكرى مجزرة كفر قاسم في يوم 29 تشرين اول والذي يصادف في موسم الزيتون بشكل عام إلا وهم يحضرون فيه طبق فلسطيني مميز هو طبق "المسخن"، كأنهم به يجددون عهدهم لأرض الزيت والزعتر والزيتون!

والأكيد، أن التفاصيل لا تنتهي هُنا، فالفيلم لم يُعط أهميّة للشهيدة فاطمة صرصور، هذه المرأة لم تكن كغيرها، فقد كانت حاملاً في آخر أيام حملها وتنتظر لحظات ميلاد جنينها بشوقٍ، كأي أمٍ في هذا العالم ولكنها قُتلت بدم بارد من قبل جنود الاحتلال.. هكذا قصّة لا يجب أن يغفل عنها فيلم يسعى للعالميّة، ومن يدري لعلنا نرى مُخرجاً مُبدعاً يذكرها لنا ويذكّرنا بأن كفر قاسم أنجبت لاحقاً الكثير من الشخصيّات التي كان لها دور بارز في تاريخ الأقلية الفلسطينية في "اسرائيل"، كالشيخ عبد الله نمر درويش الذي أسس أول نواة للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني عام 1972 في قريته وبلد الشهداء "كفر قاسم"، وهذا على سبيل المثال لا الحصر طبعاً!



حول هذه القصة

يبدو أن رحى الفصل والطرد من حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) تدور دون توقف. فبعد نحو شهر من فصل الحركة أربعة من قيادييها، فصلت “لجنة التجنح” القيادي جهاد طُمّليه.

رحبت أوساط فلسطينية وشخصيات دينية بثاني قرار خلال أسبوع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) معتبرة إياه رغم بعض التراجع انحيازا للعدالة أذهل سلطات الاحتلال الإسرائيلية.

ناقش برنامج “ما وراء الخبر” أسباب الخلافات الراهنة داخل حركة التحرير الفلسطينية “فتح”، والمسارات التي يمكن أن يأخذها الصراع في الفترة المقبلة.

توج باحثون ومعماريون فلسطينيون جهودهم لتشييد مبان موفرة للطاقة في قطاع غزة، بمؤتمر علمي دولي، تناول في اليومين الماضيين سبل إيجاد أفكار وحلول علمية وعملية تعزز التوجه نحو هذا البديل.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة