المُتنبي يودعُ حَلب

مرَّت ما يقارب الخمسة أعوامٍ على الثورة السورية تلمستُ خلالها – عبر الشاشات- وجه مدينة حَلب القاتم وهو يكافحُ الزمن و تقلُباته ليُبقي على لُمة شَعره سوداء لم يغزها الشَّيب. كم قرأتم كما قرأتُ ملامِح البؤس في وجوه الناس الذين فضلوا جحيم سمائها على حنان سماوات دول الجوار.

 "القَمْح مرٌ في حقول الآخرين والماء مالح…" هكذا يصرخ في أُذني عاشقٌ من فلسطين "محمود درويش" لكنني في الوقت ذاته أصغي إلى صوت عاشِق قادم من حلب، ينشدُ محترقاً بآلامه: أرى العِراق طويل الليل مذ نُعيت فكيف ليلُ فتى الفِتيان في حلبِ..
 

صوتُ المتنبي، كلما دار الزمان دورته علينا ساقنا الحنين إليه، متوسمينَ في سِفر المجد الذي بينَ يديه في أنْ يضيء عتمة حاضرٍ مثقلٍ بالانكسارات.

إنه صوتُ أبي الطيب المتنبي، الذي كلما دار الزمان دورته علينا ساقنا الحنين إليه، متوسمينَ في سِفر المجد الذي بينَ يديه في أنْ يضيء عتمة حاضرٍ مثقلٍ بالانكسارات والهزائم، ويكشف لنا عنْ غدٍ كامنٍ خلف سِتار من ضباب.

وإلى اليوم ما زال صدى شعر أبي الطيب يسكن زوايا مدينة حَلب، المدينةُ التي احتضنته شاعراً بجوار أميرها سيفِ الدولة الحمداني علي بن الحسين. تسع سنواتٍ قضاها (إمام الشعر العربي) في حلب، كانت كفيلة بأن يصبح اسم المدينة سلماً يرفعك إلى سماء أبي الطيب المُتنبي وسماءِ سيف الدولة الحميداني، وهما يتشاطران المجد منْ غزوات الأخير للرُوم، بينما كان المُتنبي يؤرخها لأجيالٍ لاحقةٍ بحبر من ذهب، لم تكرره الأيام و السنين في ديوان الشعر العربي.

يقول المُتنبي مادِحا سيف الدولة:
قد زرته و سيوف الهند مغمـــدة
وقد نظرت إليه و السيـوف دمُ
فكان أحسن خلــــق الله كلهـــم
وكـان أحسن مافي الأحسن الشيمُ

فوت العــدو الذي يممـــته ظفر
في طــيه أسف في طــيه نعـمُ
قد ناب عنك الخوف واصطنعت
لك المهابـــــة مالا تصنع البهمُ

ألزمت نفسك شيــــئا ليس يلزمها
أن لا يواريـهم بحر و لا علمُ
أكلــما رمت جــيشاً فانثنى هرباً
تصرفت بك في آثاره الهِمــمُ

أمَّا اليوم، فالشام كل الشام لا يتسع لأبي الطيب، فصوت القذائف في كل شارع ينتهك صوته معلناً ًسطوته على الأسماع. فماذا عساه أن يقول اليوم وقلعةُ حلب -رمز المهابـة وإرث المجد التليد- تصحو وتغفر على إيقاع القصف و القنابل؟!

بعْد كل دوي انفجار في المدينة؛ هناك من يقول مؤملا: ربما هو الانفجار الأخير ربما هو آخر غصات الوجع، لكن الأحداث التالية تُثبتُ له أنه كان متفائلا أكثر مما ينبغي.

في مقالة للشاعِر السوري أدونيس نشرتها صحيفة الحياة بعنوان "تنويعات على آلام المُتنبي في حَلب“. يقول فيها "لا تحزن أيها الشاعر"، يقول شارع صغير غير بعيد عن بيت المُتنبي في حلب. يقول متابعاً: "لا تحزن، لئلا تصدأ شفتاك وعيناك". ويقول هذا الشارع لكل عابر "عندما تقلد الهواء، يصفق لك الشجر،وعندما تقلد الشجر، يخونك الهواء" .يقول أيضاً "الطريق هي التي تجيء إليك،إن كنت تعرف كيف تسير، حقاً" .فجأةً، مال الشارع إليّ موشوشاً "التاريخ مرآةٌ يُصقل زجاجُها، غالباً، بالرماد».لكن كيف يمكن أن تقبل أعذار الضوء؟لا عذر للضوء".

تستمرُ الأزمة السورية منذ عام ٢٠١١م إلى ما شاء الله. أزمة يتخللها انتهاك لحقوق و كرامة الإنسان السوري المتطلع لجو من الحرية و الديمقراطية.

وفي المقابل تستمر مشاهد العُنف و الدمار، والاقتتال الطائفي؛ ليُصبح الإنسان السوري هو من يدفع ثمن هذه الحرب المجنونة، التي لم تجعله أمام شبح الموت فقط؛ ولكن دفعته إلى حرب أُخرى مع الجوع و البرد و تَّشرُّد، ناهيك عن القهر الناتج من جراء ضياع الأرض و الوطن في قبضة اللهب، وطمس حقوق مشروعة.

بعْد كل دوي انفجار في المدينة؛ هناك من يقول مؤملا: ربما هو الانفجار الأخير ربما هو آخر غصات الوجع، لكن الأحداث التالية تُثبتُ له أنه متفائلا أكثر مما ينبغي، وأن حلب ودِمشق وحِمص وغيرها من المدن السورية سوف تصبح عمَّا قريب مسرحاً لأبشع الجرائم.

كلنا اليوم نشاطر أبا الطيب المُتنبي حسرته على حلب وعلى شامنا الحبيب بلا استثناء. كيف لا!! وهذه المدينة البالغة من العُمر قرابة ١٢ ألف سنة. تصبِح اليوم مسرحا لأعنف المعارك التي مرت بها سُوريَّا خلال العُقُود الأخيرة حسب رأي خُبراء.



حول هذه القصة

يحتضن شارع المتنبي (وسط بغداد) الحركة الثقافية ببلاد الرافدين، ويرفدها بالكتب، كما يحتضن تفاعل جمهور المثقفين وطلاب المعرفة في مشهد يقترب من حال حديقة “هايد بارك” في العاصمة البريطانية لندن.

شاعر عراقي؛ يعتبر من أبرز القمم الشعرية العربية في العصر الحديث، وصاحب قصائد بليغة وصوت جهوري. ترجمت أعماله الشعرية إلى عدة لغات، وفاز بجوائز عربية وعالمية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة