الانتخابات العربية وسلاح المقاطعة

الانتخابات في الدول التي تحترم اختياراتها -ولا تجعل منها فقط موسما للتسويق الخارجي والإيهام الداخلي- هي محطات لضخ دماء جديدة وصحية في عروق مؤسسات قائمة بذاتها، لاهيكلا فحسب. فتوجه من خلال هذه العملية التي لا تعدو أن تكون جزءا يسيرا من الديمقراطية عندهم إلى جانب إجراءات أخرى، مواطنيها إلى ضرورة الاختيار الصائب لاستكمال مسيرة حقيقية من التنمية والبناء.

أما عندنا نحن العرب، والحال يصير مرفوعا بعصا الاستبداد وتعليماته رغم أنف النحويين، فإن القاعدة تكسر من أعلى درجات المسؤولية في البلاد. وقياسا فالانتخابات في البلاد العربية لها شكل آخر، وطعم مغاير وتشكل فرصا لا حد لها للاغتناء السريع كما تسيل شلالات من لعاب، يندفق مِن في كلِّ نهمٍ ذي طمع.

الانتخابات في البلاد العربية لها شكل آخر، وطعم مغاير وتشكل فرصا لا حد لها للاغتناء السريع كما تسيل شلالات من لعاب يندفق مِن في كلِّ نهمٍ ذي طمع.

الانتخابات العربية، غدت مواسم للربح  قَل أو كثر، انقطع أواتصل، الأهم أن لا يفوت أحد على نفسه "بركة الموسم الانتخابي" هذه الصورة الاستعراضية المجنونة لعمليات جوفاء، تبغي إقامة صرح من عهن منفوش لديمقراطية عرجاء، لم يحدَّد لها المسار ولا الأهداف المتسمة بالجدية ذاتها، التي تنسجم مع حماسة الدفاع عن الشعارات المستهلكة لترحيل الأزمة وتدبير الاحتقان.

بهذا المنطق، بدأ يتأسس فهم ممسوخ للانتخابات لدى النخب الحزبية منذ الاستقلال الشكلي في الأقطار العربية، خاصة عندما ضل الجميع الطريق، وفقدوا فرحة الاستقلال ونشوة التحرر والانعتاق كباعث للعمل والتشييد في غمرة طغيان الإحساس بضرورة الظفر بالغنيمة لتحصين المصلحة الفردية.

فهم عوج أناني، فتح طريقا غير التي اُستُشهِد من أجلها رجال المقاومة الأشراف، أخطأ الجميع الطريق بأنانياتهم المستعلية الهلكى. فضاعت تنمية الأرض والإنسان، ضاعت الأقطار العربية كما ضاع الحلم العربي في الانعتاق. وداهية الدواهي أن الخاطئين مصرون على الذهاب في طريقهم إلى نهاية غير محمودة.

الطريق نفسها سلكها أصحاب المقاولات الحزبية قديمها وحديثها يمينها ويسارها، بعلمانيتها المكتومة أو المفضوحة، وبتدينها الرسمي تقربا من السلطان أو استغفالا للعوام النوام؛ الجميع سار في ركب المصلحة الفردية المقدسة العليا حين علموا أو أُعلِموا ألا إصلاح يرجى ولا انفراج يؤمل.

كل يحث الخطى في اتجاه بناء الثروة عند المبتدئين، وتضخيمها عند أحفاد من لم يتحسسوا زناد البندقية، و لم ينعموا بملمس الحرية في لوح أرزها، أحفاد من لم يشموا رائحة الوطن في بارودها، ولا شموا ثرى البلاد العربية في حوافر الجياد؛ فكان يكفي هؤلاء الأبناء والأحفاد رفع قواعد أجدادهم.

أما أحفاد البارود فجزاؤهم آلام المخمصة وآثار المسغبة، وجرعات من عذاب المهجر، وذل الرغبة في خدمة من حاربه الأجداد لما يزيد عن ثلاثة عقود؛ أجداد مقاومون آثروا دفن زهرة شبابهم الغضة الملآى حياة وأملا، على أن يُدفن وطنهم تحت سطوة المستخرب، فوهبوا أنفسهم وأنفس ما عندهم لأنفس تراب. لكن جزاهم الحاكم العربي بأن دفع أبناءهم وأحفادهم إلى خدمة من هجَّرَهم من قراهم ومداشرهم في بلدان الغربة.

وعلى أساس هذه الأنانية القاتلة والعقلية العتيقة، تمسي الأحزاب وتصبح على حروب طاحنة، كلما اقترب يومهم الموعود. صراعات حادة يخوضها الصقور كما المغمورون في كواليس أحزابهم، التي تغتذي من صبر العربي المقهور، للظفر بالتزكية الحزبية النجسة المكرسة للوضع المزري.

حرب تزكيات حزبية تنتهي، بحكم غياب الديمقراطية الداخلية أسوة بالوضع الرسمي، إما بترجيح القرابة الأسرية العائلية أو القبلية السابحة في فلك القائد ودائرة الزمرة المتحكمة في الهياكل الحزبية النخرة، أو بتكريس الصوت الواحد والمناضل الأبدي.

أو بإرضاء أطراف متنفذة على حساب أجنحة متمردة، من خلال تزكية كفاءات صفرية بمستويات دراسية غريبة عن الممارسة السياسية ومتطلبات المسؤولية، تعد في الدرس الديمقراطي الحقيقي نكتا جميلة وطرائف حسنة، مستويات دراسية تشكل مادة دسمة لنقاشات تطفو على سطح الحكومات العربية كلما اشتد الصراع بين أقطابها لتحريك تعديلات تعيد قسمة الكعكة.

وحتى إذا ما خاب صقر الحزب في حرب نيل التزكية ولاه ظهره، وطلق مبادئه التي تشدق بها أمام كواشف العدسات وتحت سكرة التصفيقات والإطراء المتملق الكاذب. فنسمع عن فلان وعلان قد غادر قلعته في اتجاه أخرى يأمل فيها ضمان الغنيمة، وينشد فيها ضالة صحابه، التي جر من أجلها ذيول الخيبة في حربه الخاسرة ضد حزبه.

فيرصد في الحزب الآخر صيده، يخطب من بوقه ود أصوات المقهورين ويستدر عطفهم يوم الحسم الزائف في الصندوقة المعشوقة. ويتلقفه الحزب بدوره ليشحذ به الأرقام، في خرق سافر لأدنى معايير التزكية المحددة في تاريخ العضو في الإطار الحزبي، وكذا تدرجه في سلم الهياكل زيادة على المستوى التعليمي، كل ذلك بدافع التهافت على مناصب يَدْرون أن لا حسيب عليها ولا رقيب.

عقلية مصلحية نتنة، لا هم لها سوى مقعد مؤسسة لو علم أصحابها حجم المسؤولية تحت قبتها، لما سارعوا إليها؛ لكن كلمة "علم" هو الكنز المفقود في الساحة، ساحة مشرعة، نظام الغابة قانونها، والوحوش من يسوسها سياسة خديعة ومكر. ساحة مفتوحة لمن خُلق ليفترس.

تزكيات حزبية يغيب عنها أدنى حس بالمسؤولية، وغياب صادم لأي شعور بثقل الأمانة، كون ميحرك "المناضل المناسباتي العتيد" هو صوت "أنا ومن بعدي الطوفان"، تغذيها الغريزة المنحرفة، فتركع وتسجد للمصلحة الفردانية المقدسة.

أما صوت المنتخِب، الذي يشارك في المأساة/الملهاة جهلا أو أملا، فلا قيمة له بعد اقتسام الصيد الثمين. فيما المنتخَب (المنتحِب) المنتشي لا يملك إلا أن يفجرها بلسان حاله في وجه المصوت الساذج: "أكلَك ثوري الأسود حين صدقت وعودَ ثوري الأبيض"؛ أما مقالته على لسانه الكذوب -الذي مرد على النفاق- فيعزيه بضرورة الصبر والانتظار إلى حين، وأي حين؟!

لأن أصل العملية فاسد فلا خير من انتخابات شكلية، ولا جواب ينتظره حال كيف إلا "لا ننتظر شيئا"، بل يجب ألا ينتظر عاقل منها شيئا بالأساس.

أمثلة هذه العقلية المتنقلة بين أروقة الأحزاب كثيرة فلا حصر للمصيبة، ولا عد للكارثة العربية تحت مسمى "الترحال السياسي"، التي تجعل من الأحزاب مقاولات موسمية. كارثة يصر الجميع فيها على إغماض عينيه ريثما تمر العاصفة وتنجلي غبار "يوم القيامة" الذي لا محاسبة فيه، وإنما جزاء فياض من الامتيازات والحصانات لا طاقة لميزانية الدولة بتحقيقها.

هذا إن صدقنا أقاويلهم وقت يعمدون إلى تبرير العجز بعدم وجود اعتمادات مالية كافية، كلما علت أصوات المعطلين والمهمشين. فكيف بمسؤول حزبي تنكر لمبادئه وانحرف عنها بزاوية 180 درجة ميمما وجهه شطر المصلحة، أن يعمل ويجد ويكد لإنفاذ وعوده الانتخابية؟ كيف لشخص، بهذه الوضاعة، أن يهتم لمصلحة البلاد والعباد؟

ولأن أصل العملية فاسد فلا خير من انتخابات شكلية، ولا جواب ينتظره حال كيف إلا "لا ننتظر شيئا"، بل يجب ألا ينتظر عاقل منها شيئا بالأساس. لكونها عمليات تجميلية وحلولا ترقيعية لا تغري الوطنيين الصادقين ولا هي ترضي العقلاء المتبصرين، حلول سريعة لا تسمن إلا بطون اللاهثين وراء مؤسسات لا تحكم، تحت سلطة تحكم ولا تحاسَب، ولا تغني من جوع قِطاع كبير من الشعب المنكوب، وهكذا يخدمون الوطن.

في خضم كل هذا العبث، لا يبقى إلا سلاح المقاطعة الذي يؤكد على أن استجلاب الشرعية لمؤسسات هواء، لا دور لها غير تنميق الواجهة، لم يعد ينطلي إخراج مسرحياته الرديء على أحد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة