العقل.. حَكَماً غائباً

blogs - islam
قال ابن الجوزي: فإن أجَّل الأشياء موهبة العقل فإنه الآلة في تحصيل معرفة الإله وبه تضبط المصالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وتجمع الفضائل.
أتى على الناس زمان اختلت فيه موازين الأمور وأصبح الحكم على أي شيء وظيفة القاصي والداني حتى تصدر الجهلاء من الناس لإدارة أمور الخلق، وأصبح ركون العقل شيئاً أساسياً فاقداً لجميع وظائفه التي متعه الخالق بها حتى بات كل ذي لُب غريب بين أقرانه منبوذ في مجتمعه متطرفاً عند الحاكم، فتناسى الناس الفارق الذي يفصل بينهم والأنعام فكانوا جميعاً "أضل سبيلا" فضّلَ بني آدم وأضل غيره وثوى في سبيل الضلال إلى أن أصبح الحياد عن هذا السبيل أمراً عصيباً مستحيلاً عنده.

وحتى أصبح التفكير وإعمال العقل جريمة كبرى فالأولَى لك أن تأكل وتشرب وتنام وتترك الباقي لنا، فنحن أسيادكم نسوقكم أينما أردنا، فالأب سيدٌ متسلطٌ في أسرته وليس مسموح لك أن تعترض أو حتى تختار ما تشاء، وما يلبث ذاك المسكين حيناً فينضم لثاني مصائبه؛ وهي المدرسة فتتعلم غصباً وتخمد عقلك غصباً فأسلوب التعليم "حشر وتلقين". 

لم نختر سوى الطريق الأيسر مع علمنا أن المجد لا يكون إلا بالسير على الأشواك! وبذلك يحدث اضطراب في العقل عند النشء حتى يكبر فلا يدري ما الصواب و ما الخطأ.

بعد ذلك تتعلم دينك الذي اكتشفت بعدها أنه "خارج المجموع" قبل أن تعلم أنه بالفعل يقتصر على دور العبادة.

هناك -في المسجد- سارعت للحاق بالصف الأول فقد قرأت حديثاً عن فضله وجزاءه حتى قال لي أحدهم "الأطفال بالخلف"، وبالكاد تركت المسجد الذي لم يخلُ هو الآخر من ركون عقل مريديه مع أنه صلى الله عليه وسلم كان يطول في السجود خشية مضايقة حفيده الذي يربد على ظهره الشريف.

لم تسلم حتى دمعة الطفل من ذلك فعندما كنا نبكي أو نخاف ونحن أطفال يقال لنا "أنت رجل والرجل لا يبكي" حتى صار البكاء ضعفاً وليس من علامات الرجال!

فماذا عنا نحن؟ هل أغشتنا الأموال من كثرة تدفقها، بالطبع لا بل هو الاستسلام والتسليم الذي جعل منا دُماً بأيدِ بعضنا البعض وبأيدي أعدائنا. فبكم بعنا عقولنا؟ وما المقابل الذي جنيناه من ذلك؟

تناسينا حضارات أذهلت العالم وعلَّمت الأمم من علمها بل وتبرأنا منها، ولم نكتفي بذلك ففي عائلتك وعائلتي ورفاقي ورفاقك نجد من يشغف بالعلم وإعمال العقل نجده دائماً متطلع لهجرة أو لسفر هنا أو هناك، فأصبح الخلل حليفنا فلم يعد يفكر أحد بصنع حضاره أو بنهضة أمة تعلمت منها الأمم.

لم نختر سوى الطريق الأيسر مع علمنا أن المجد لا يكون إلا بالسير على الأشواك! وبذلك يحدث اضطراب في العقل عند النشء حتى يكبر فلا يدري ما الصواب و ما الخطأ مع قلة الإرشاد والتوجيه الذي نعاني منه الآن كمجتمعات مفترض أن تكون إسلامية.

ينجرف الشباب بعد الضغط العقلي الذي يكاد أن يؤدي إلى اضطراب نفسي؛ لعدة سُبُل تسوقه هي الأخرى في نيل مطامعها وأغراضها باحثاً عن أي شيء يضع فيه قوته وشبابه، وبذلك تستنفذ الطاقات التي تقوم عليها أي أمة ساعية للنهوض.

ويصبح النشء المسلم أسيراً لما يشاهده ويسمعه ويتلقاه من هنا وهناك.. فتتبدل الفطرة التي جُبِلَ عليها.. ويتلوث القلب ويتدنس العقل الذي أمرنا الله بحفظه.