شعار قسم مدونات

السلفية المصرية صراع داخل أيديولوجية واحدة

blogs - salafi

إن الانتشار الواسع والمتنامي للظاهرة السلفية في المجتمعات الإسلامية بصفة عامة والعربية بصفة خاصة وتحديدا في الحقبة الزمنية الأخيرة، كان من الأمور الملفتة مما جعلها عُرضة لكثير من القراءة والدراسة والنقد والتحليل، سواء من حيث عوامل الانتشار وأسبابها، أومن جهة محاولة فهم كيف يفكر السلفيون.

والدراسة تحاول استكشاف آرائهم الفكرية والدينية والسياسية فيما تمرّ به منطقتنا العربية بشكل خاص من قضايا وأحداث، كما تحاول جاهدة لاستنتاج المواقف وردود الأفعال بناءً على منطلقات العقيدة والفكر السلفي.

الغريب أن تجد من لا يزالون ينظرون للحالة السلفية ككتلة واحدة غير مدركين طبيعة تلك الحالة وتشعباتها العميقة والمختلفة.

والدارس للظاهرة السلفية عن قرب لا يخفى عليه تلك الحالة الاستقطابية الحادة التي كانت تمر بها الحركة السلفية في مجملها من جهة، وما يمكن وصفه بمكونات الحركة الدينية بامتدادها الواسع من جهة أخرى،(الإخوان، والصوفية…).

وكانت تظهر دلالات تلك الحالة من الاستقطاب الحاد والصراع الأيديولوجي من حين لآخر على السطح للمتابع لنشاط تلك الحركات، سواء على المستوى المنهجي والفكري أوالدعوي والحركي، متمثلة في الخلاف الحاد الذي يصل حد التلاسن بسبب الخلاف في بعض القضايا، والتي كانت تجد لها سوقاً رائجة وأرضاً خصبة للأخذ والرد، والتجاذب الفكري الذي لا يُملّ.

ولما جاء الربيع العربي بثوراته وتغيراته السريعة والمفاجئة، وجدت فيه بعض عناصر هذه الصحوة (السلفيون، والإخوان)، فرصة للتقارب التكتيكي المرحلي المؤقت، للتعاضد والتعاون في بعض القضايا المصيرية (المساس بالهوية الإسلامية للدولة والمجتمع) كمثال.

ولكن مع تسارع الأحداث وتقلبات المواقف سرعان ما انهارت تلك التحالفات المرحلية، ليرجع ذلك الصراع الأيديولوجي يطفوا على السطح بين هذه الاتجاهات مرة أخرى من جهة، وينشأ صراع جديد سلفي سلفي من جهة أخرى، ظهر وبقوة، (بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي)، أو قبل ذلك بقليل.

ولكن الصراع عاد هذه المرة بعنف وشدة أعمق وأوسع من سابقته التي مضت وولت مع ما مضى وولى من أنظمة وأفكار، فنجد أنّ الصف السلفي نفسه قد بدأت تظهر عليه هذه التصدعات الكبيرة والأزمات المتلاحقة والعديدة، والتي كانت نواتها موجودة بالفعل ولكنها كانت تصنف في أغلبها على أنها خلافات سلفية داخلية.

ومع مرور الوقت سرعان ما تأزمت هذه المواقف وازدادت تلك التصدعات داخل الصف السلفي الواحد. فما بين منهج سِلْمي ينقسم لدعوي وسياسي، ومنهج صدامي  ينقسم لتكفيري، وجهادي.
فمن السلمي: الدعوي والذي بدوره يرفض العملية السياسية برمَّتها جملةً وتفصيلاً، باقياً على مذهبه القديم الأول في العمل على دعوة الناس وتربية الأجيال على المعنى الواضح والفهم الصحيح للإسلام.

ومنه كذلك: السياسي الذي بدوره رأى في مناخ الحرية والانفتاح الذي أعقب الربيع العربي فرصة سانحة ومناخاً ملائماً للدخول في المعترك السياسي في محاولة للعمل على إصلاح الفكر السياسي والمشاركة في عملية بناء جديدة لمجتمعاتهم من خلال ضخه لدماء وأفكار جديدة في هذا الوسط الذي طالما اعتزله وغاب عنه لفترات طويلة.

ومن الصدامي: التكفيري المؤمن بوجوب العمل على توازن القوى على الأرض في معركة الأمة المصيرية بين الإسلام والكفر، في قضاياه الداخلية وأزماته مع أنظمته ومحيطه العربي والإسلامي.

ومنه كذلك: الجهادي المنشغل بصورة أكبر بقضايا الأمة على الصعيد الإقليمي والدولي. وتتقاطع هذه الاتجاهات السلفية في أفكارها في أغلب وأعم القضاياً، بينما تتلاقى وتتوافق في بعضها وهو الناذر اليسير.

ومن الغريب أن تجد من لا يزالون ينظرون للحالة السلفية ككتلة واحدة غير مدركين لطبيعة تلك الحالة وتشعباتها العميقة والمختلفة. وهذه الخريطة البسيطة للتصنيف السلفي قائمة بالأساس على الاختلافات في مناهج التغيير التي يؤمن بها كل فريق وطرف من هؤلاء.

وكان الكيان الرئيسي والأبرز للحركة السلفية في مصر لا يزال منحصراً بين جماعة أنصار السنة المحمدية كجمعية خدمية دعوية، مقتصرة بدورها على الخيار الدعوي فقط، والدعوة السلفية بالإسكندرية كحركة علميَّة دعوية، وذراعها السياسي الوليد حزب النور.

بعض شباب الإخوان المسلمين كفروا بالعملية السياسية نتاج هول ما حدث من قتل وتنكيل بشباب الجماعة وقادتها ورموزها بعد الثالث من يوليو2013.

لكن هذا لم يستمر طويلا فقد شاهدنا خروج العديد من الاتجاهات والحركات الشبابية المستقلة  والمجموعات داخل الصف السلفي مثل "حازمون" و"التيار السلفي العام" و"الجبهة السلفية" التي اشتهرت جميعها بتوجهاتها الثورية الصدامية مع السلطة.

وكانت هذه المجموعات تتمتع بقاعدة تأييد قوية في العاصمة القاهرة، مما جعلها أكثر قرباً من الحراك الثوري الذي أطلقته الثورة المصرية وما تلاها من أحداث وفعاليات، ويمثلهم سياسيا حزب الأصالة، وحزب الفضيلة، وحزب الراية.

أما مجموعة "سلفيو كوستا" و هم أقرب لخطاب دعوي إصلاحي لم يلقون رواجاً كبيراً داخل الصف السلفي، فيما حدث انشقاق داخل حزب النور،متمثلاً في حزب الوطن، أو ممن تركوا الحزب والعملية السياسية عموماً بعد أحداث الثالث من يوليو2013  التي كرَّست لدى الكثيرين قناعة شبه تامة بعدم جدوى العمل السياسي ودفعت لديهم برغبة عارمة لاعتزال الحراك والمشهد السياسي.

هذا الصراع بدوره ألقى بظلاله على فصيل كبير كجماعة الإخوان المسلمين، بعد ما مرت به من أزمات متلاحقة مع عجز قياداتها عن إيجاد الحلول، وهو ما دفع بالكثير من شباب الجماعة ومعها ائتلاف دعم الشرعية للكفر بالعملية السياسية برمتها مما حدا بالبعض كذلك لتبني بعض الأفكار التكفيرية والصدامية نتاج هول ما وجدوا من مرارة هذه تجربة الإخوان في الحكم، وما تلاها من قتل وتنكيل بكثير من شباب الجماعة من الجنسين، فضلا عن قادتها ورموزها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.