إلى متى نتجاهل أهمية مشروع طه عبد الرحمن الفلسفي؟!

blogs - taha
في إحدى كتبه، يذكر مالك بن نبي العلامة ابن خلدون وأفكاره الحضارية التي كان المفترض أن المسلمين يستدركون بها حركة حضارتهم، ليتجنبوا حركة الانحدار التي دخلتها الحضارة الإسلامية منذ عصر "ما بعد الموحدين"، ورأى بن نبي أن أفكار ابن خلدون العميقة غير المسبوقة طواها النسيان، ولم يستفد منها المسلمون في زمانها.

ولعل ما ذكره مالك بن نبي بشأن ابن خلدون وفكره، ينطبق أيضا على فكر مالك بن نبي وغيره من كبار المفكرين في أمتنا، الذين لم نستثمر أفكارهم في التأسيس لمشروعنا الحضاري، بالرغم من أنهم قدموا أفكارا مهمة يمكن أن تشكل أرضية استئناف دورنا الحضاري الإسلامي.

ينطلق طه عبد الرحمن في مشروعه النقدي من فكرة جوهرية بلورها في مقدمة كتاب "العمل الديني وتجديد العقل" قوامها المساهمة في التأسيس النظري لليقظة الدينية.

والأمر نفسه يكاد ينطبق على أفكار الدكتور طه عبد الرحمن، ذلك العالم الفلسفي والفكري الذي أنجبته العدوة الغربية من وطننا الإسلامي، حيث أنه يعاني من حصار الخصوم وتجاهل أبناء أمته، بالرغم من أن مشروعه الفكري مشروع نقدي بامتياز ومشروع تأسيسي بامتياز.

فهو لم يكتف بالنقد ولكن مارس عملية تنظير وتأسيس فكري ونطري لليقظة الدينية من جهة، باعتبارها حراكا تاريخيا ومجتمعيا يهدف إلى تحقيق المثل والقيم الاسلامية في مجال تاريخي هو الأمة الإسلامية باعتبارها تحقيقا لمقولات الرؤية الإسلامية.

ومن جهة أخرى فإنه سعى إلى تزويد عملية الحراك هذه بزاد معرفي وتنظيري تمثل أساسا في التأسيس لفلسفة إسلامية تنطلق من الرؤية الإسلامية وتعمل على إنتاج خطاب فلسفي إسلامي مأصول غير منقول وموصول غير مفصول.

كما أنه توجه من جهة ثالثة إلى نقد الخطاب الحداثي الغربي وملحقاته من الخطابات الحداثية المقلدة في العالم العربي الإسلامي.

1. التأسيس النظري لليقظة الدينية:
ينطلق طه عبد الرحمن في مشروعه النقدي من فكرة جوهرية بلورها في مقدمة كتاب "العمل الديني وتجديد العقل" قوامها المساهمة في التأسيس النظري لليقظة الدينية من خلال بناء وتركيب سندها الفكري والفلسفي المؤسس على الفكر العلمي المحرر على شروط العقلانية المعاصرة، وتخليصها من آفة الغلو في الاختلاف، وتهيئتها للدخول في التجربة الإيمانية الحية التي تحمل الإنسان على الترفع عن النزاعات والصراعات المذهبية الضيقة.

ولهذا فان حركة التجديد الإسلامية المعاصرة تفتقد إلى "تبصير فلسفي مؤسس"، ولا بد من الشروع في عملية التجديد المنتظر من الأمة الإسلامية بتحقيق شرطيها الأساسيين وهما: شرط الدخول في التجربة الإيمانية التي تمكن من النفاذ إلى عمق الذات للوصول إلى عملية التخلق. وشرط مباشرة التعقل المبني على استيعاب أدوات النظر المنهجي الذي يمكن من تجدد السند العقلي.

وبدون هذين الشرطين لا سبيل إلى بناء فكر ديني متجدد يتسم بخاصية الشمول والتكامل، فالعقلانية الأسمى لا يمكن الظفر بها من خلال المقاربات الاختزالية التفاضلية والتجزيئية لمعطيات الفكر والعقيدة الإسلامية.

2. التأسيس لفلسفة أخلاقية إسلامية:
كما يسعى طه عبد الرحمن إلى بناء فلسفة أخلاقية إسلامية بواسطة المفاهيم السابقة مستحضرا المسلمات الأساسية في نقد واقع الحداثة الغربية وهي: مسلّمة "لا إنسان بغير أخلاق"، ومسلّمة "لا أخلاق بغير دين".

ويصل في نهاية النقد إلى أن الأخلاق الإسلامية أخلاق كونية عميقة حركية، مقابل الأخلاق المحلية السطحية والجمودية، التي تولدت بفعل سيادة الحضارة الحديثة القائمة على ضرب محاصرة متعددة الأوجه والمظاهر على الإسلام، وتتمثل هذه المحاصرة في عدة مظاهر:

– الأولى: محاصرة خارجية ترى في الإسلام عملا إرهابيا وخطرا حضاريا وذلك بسبب توظيفه في مقاومة الغزو الاستعماري والتصدي للمركزية الحضارية الغربية. 

– والثانية: محاصرة داخلية تتمثل في مواقف الأنظمة والدول السائدة من العودة إلى الإسلام، حيث تمارس مختلف أشكال التضييق على الحركات والجمعيات والمنظمات والجماعات التي تدعو إلى الرجوع إلى الإسلام..

– والثالثة: محاصرة ذاتية وتتمثل في وقوع بعض الدعاة في الاقتباس والاتّباع وانتقال العمل من المجال التنويري الرباني، وهو مجال التربية الخلقية إلى مجال التسييس والتسيس بدل "التأنيس" الذي يقوم على السياسة الأخلاقية التي لا تربط التخلق بحيازة السلطة، وحصار ذاتي آخر يتمثل في شيوع العقلانية التجريدية التي تقدم النظر على العمل وتقتصر في نظرها المجرد على الضال المتلبس بدلا من التوسل إلى المعرفة بالعقل المؤيد.

ويرى طه عبد الرحمن؛ أن السبيل الأمثل لرفع ضروب المحاصرة المفروضة على الإسلام يكون عن طريق التوسل بالأساليب التنويرية والتحررية التي ينتج عنها تمام العمل وتحقيق الاكتفاء.

يسعى طه عبد الرحمن في مجمل أطروحاته إلى أن يبصّر الحداثيين بمدى التقليد الذي أصابهم، وحرمهم من فتح فضاء الإبداع.

3. نقد مشروع الحداثة:
عمل طه عبد الرحمن على توسيع مفاهيمه السابقة في كتابه "روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية" وشن حملة واسعة على دعاة الحداثة والتقليد، وبين الأسس الشنيعة التي تحكم تقليد الحداثيين.

فإذا كان التقليديون يقلدون المتقدمين، فإن الحداثيين يقلدون المتأخرين، بل إن تقليد الحداثيين -بحسب طه عبد الرحمن- يبدو أشنع من تقليد التراثيين، لأن الحداثة والتقليد حسب تعريفهم ضدان لا يجتمعان، في حين أن التراث والتقليد بموجب تقريرهم صنوان لا يفترقان.

ويسعى في مجمل أطروحاته إلى أن يبصّر الحداثيين بمدى التقليد الذي أصابهم، وحرمهم من فتح فضاء الإبداع، وذلك عن طريق التفريق بين "روح الحداثة" التي يجب تحصيلها وتوصيلها وحفظها، و"واقع الحداثة" الذي لا إشكال في تركه وتجاوزه إلى واقع غيره لا يقل عنه حداثة.

وبالنسبة للتراثيين يطمح بأن يخرجوا من رق التقليد المعوق، بفتح فضاء الاجتهاد، ولا يتم ذلك إلا بسلوك طريق تطبيق روح الحداثة على مقتضى التداول الإسلامي التي تجتمع فيها مبادئ الرشد والنقد والشمول، والذي يسمح بتجاوز القراءات الحداثية المقلدة التي انبنت على الاستنساخ وليس الاستكشاف وعملت على تعطيل الإبداع الموصول.

إن هذه الأبعاد الثلاثة في فكر طه عبد الرحمن، وغيرها من الأبعاد لتمثل زادا معرفيا مهما للإبداع الفكري والفلسفي الذي تتطلبه أي جهود للنهضة وتحقيق النهوض الحضاري الإسلامي المبدع، بعيدا عن الهجرة في التاريخ أو الوقوع في "القابلية للاستعمار" الفكري والسياسي والأخلاقي للحضارة الغربية.

ولهذا وجب الانتباه لهذا الفكر ولهذا المفكر الفيلسوف الذي ينهل من نبع النبوة بكل تميز واقتدار غير مسبوق، وكفانا تجاهلا للمبدعين في هذه الأمة.