علّميهم بلا ضمير!

blogs-التعليم

في بداية العام الدراسي وأثناء حديثي مع صديقةٍ تعمل معلمةً في إحدى المدارس العربية، أبدت لي تشاؤمها وهبوط حماسها للتدريس مجدداً، وذكرت لي ما يدعو للدهشة والإحباط، وحدثتني عن تحول العلم إلى وسيلة لجلب المال وتكديس الثروة على حساب الطلاب، إلا أن ما استرعى ذهولي حقاً موقفٌ جرى بينها وبين مديرة المدرسة عندما طلبت منها تقليل عدد الطلاب ضمن الصف الواحد كي يأخذ كلُ طالبٍ حقه في الاستيعاب والفهم لتجيبها مديرتها بوجهٍ باردٍ مستهتر "ليس من الضروري أن تعلّمي بضمير".
 

لعل موقف المديرة ليس بالجديد على التعليم في عالمنا العربي، فمن المعروف أن آلية التعليم البدائية هي السمة الأبرز في معظم المدارس العربية، لكن صدور موقفٍ جشع من إدارة مدرسةٍ تعتبر من الصروح النموذجية في البلاد والتي يتناسب صيتها الكبير مع ارتفاع أقساطها السنوية أمرٌ يدل على انحطاط التعليم في العالم العربي، فإن كانت تلك حالة المدارس الخاصة ذات الرسوم الخيالية، فحدث ولا حرج عن واقع التدريس في المدراس العامة.
 

بات الطالب العربي آلةً تصب فيها المواد الدراسية، ويمتلئ عقله بالغث والسمين من المناهج الجامدة والبعيدة عن المتعة والتشويق، يتلقاها من معلمٍ حفظ المنهاج عن ظهر ملل

ولا يعاب على الواقع العربي حالة التخلف العلمي والتراجع في تقديم إنجازات معرفية للعالم طالما أن أساس تربية الأجيال هشٌ ضعيف، مسؤولٌ عنه معلمون يحبون جيوبهم أكثر من مهنتهم، بخلاءٌ في تقديم المعلومة للناشئة، شحيحون في منح طلابهم ما يستحقونه من الخبرة والتجربة، ولا يقدّرون حجم الأمانة والمسؤولية في تربية جيلٍ قادرٍ بالمتابعة والمثابرة على استئصال البلاد من قاع التخلف إلى سطح الحضارة والتقدم.
 

ولأن العلم اللبنة الأولى التي تتشكل منها الحضارات والأمم، عملت كثيرٌ من الشعوب على رفع مستوى التعليم محاولةً بناء أجيالٍ متنوّرة تقهر المستحيل وتذلل الصعاب، فجعلت من التعليم التلقيني ذاكرةً من الماضي، وأدخلت في مناهجها التطبيق الفعلي للأبحاث والتجارب، وأصبح للطلاب يدٌ مشاركةٌ في صنع المعلومة التي يعطيها الأساتذة، عملاً بالحكمة الشهيرة لفيلسوف الهند كونفوشيوس "قل لي وسوف أنسى، أرني وقد أتذكر، أشركني وسوف أفهم".

قلة الضمير وانعدام المسؤولية في تربية الأجيال الناشئة، جعلت بلادنا العربية تتذيل الترتيب العالمي في التعليم والمساهمة الفعالة في تقديم العلوم والمعارف، وحولت الطلاب إلى أدواتٍ مبرمجةٍ على حفظ المناهج وطباعتها في ذاكرتهم المؤقتة دون فهمها أو الاستفادة منها، لتنتقل بعد انتهاء الامتحانات إلى سلة النسيان دون علمٍ ينفع أو فائدةٍ تُذكر.
 

بات الطالب العربي آلةً تصب فيها المواد الدراسية بشكلها الشفهي، ويمتلئ عقله بالغث والسمين من المناهج الجامدة والبعيدة عن المتعة والتشويق، يتلقاها من معلمٍ حفظ المنهاج عن ظهر ملل، تداولها على مدار الأعوام حتى بات إعطائها أمراً روتينياً لا يحتاج إلى التحضير وبذل المجهود، فتصل المعلومة إلى متلقيها جافةً ثقيلة لا معنىً لها.
 

وإذا استمر إهمال البنية الأساسية في التعليم وحشو الطلاب على اختلاف فئاتهم بمناهج حجريةٍ وأساليب بدائية، فنحن على موعدٍ مع استمرار التخلف والتراجع الحضاري

وبينما يجاهد التلميذ في بلادنا ليدرس مواداً أكل عليها الدهر وهرم، وأفكاراً رجعية تدعم سلطة الأنظمة القمعية، تجد الطالب في البلاد الغربية أكثر انفتاحاً على المعرفة وتقبلاً للمدرسة، ذلك لأن واضعي المناهج عرفوا كيفية استثمار طاقة الطلاب في الاتجاه الصحيح ليستخرجوا خير ما في الأجيال من طموحٍ بنّاءٍ وأفكارٍ عصرية تترجم إلى أشكالٍ من التطوير والإبداع في المجالات كافة.
 

وفي الوقت الذي يسمع طلابنا في بعض المدارس -على سبيل التوجيه- كلماتٍ خارجةً عن نطاق التهذيب من المعلمين والمدراء، تجد الكادر التدريسي في بلدٍ مثل اليابان ينحني كل صباح للطلاب من أكبر رأس في الكادر التدريسي إلى أصغر ليعزز لدى الطالب أهميته وثقته في نفسه، مما يدفعه إلى الإقبال على العلم والمعرفة محفزاً بالحب والرغبة، لا بالإجبار والإكراه.
 

وإذا استمر إهمال البنية الأساسية في التعليم وحشو الطلاب على اختلاف فئاتهم بمناهج حجريةٍ وأساليب بدائية، فنحن على موعدٍ مع استمرار التخلف والتراجع الحضاري، وجلوس الوطن العربي بأقطاره كافةً على مدرجات المشاهدين الذين يرون عروض الأمم في التكنولوجيا والحداثة والسبق العلمي، ويكتفون بالتصفيق والاستمتاع بنتائج الدراسات والأبحاث الغربية دون المشاركة بصدىً أو ردة فعلٍ مؤثرة.