عندما زارني الموت

أصبتُ ذات ليلة بوعكة صحية خفيفة تكادُ لا تُذكر، توجهت لأقرب مركز صحي للاطمئنان، طُلب مني إجراء بعض الفحوصات الروتينية، وعلى غير العادة عاد الطبيب بعد عشر دقائق لإعادة إجراءها من جديد، لم يساورني أدنى شك بأن هناك خللاً ما، ليصر الطبيب على إعادتها للمرة الثالثة، يتسرب القلق إلى أوردتي ويتثاقل نبضي بكل لحظة انتظار خلف ما تخفيه أسوار إصرار الطبيب ذاك.
 

ذيّل الورقة ببعض الكلمات غير المفهومة كتشخيصٍ أولي وألحقها بعبارة "عليكَ زيارة طبيبٍ مختص في المستشفى المركزي"، ذهبتُ وقدمت الورقة وكأني أسلم ورقة الامتحان لأول مرة في حياتي، تحدث الطبيب المختص بمقدمة طويلة، كان طولها كفيلاً لأن يجفف منابع الدم في عروقي تدريجياً.

ثم ربتّ على كتفي إلا أنني لم أشعر بيده بقدر ما استشعرت أن صخرة هدّت على جسدي وقال "ستُشفى بعد عدة جرعات من العلاج الكيمائي بإذن الله، المهم أن تكون قوياً" تناثرت روحي، وتفتت الأمل، وبقيت سجيناً لكلماته، أي قوةٍ تلك التي تطلبها مني وأنا الذي قدِمت إلى الموت بيداي، سكنَ كل شيء في جسدي غير بركان التفكير الذي يتدفق في أعماقي، ليتني مِتُ قبل أن أعلم ذلك.
 

محظوظٌ لأن المرض صحح مسارك وطيّب روحك وأيقظك من غفلتك، محظوظ لأنك غلّبت حلاوة العبادة على مرارة الألم، محظوظ لأنك لن تموت فجأة

ساء قلبي يوماً بعد الآخر أكثر من سوء حالتي الصحية، وبات الشاب العشريني كهلاً خمسيني الجسد أو يزيد، ملقاً على سريرٍ كأنه حانوت الموت، يتناوبُ اثنان من أخوتي ووالديّ وبعضاً من أصدقائي في ساعات الليل، بينما يتكفل الباقون مهمة التخفيف والمواساة نهاراً، ولستُ أدري ليلي من نهاري، فكل الأيام لديّ سواء، ما الفرق سوى أن حبال الانتظار تنقص شيئاً فشيئاً. لستُ أعلم كم من الأيام مرت على جسدي الضعيف، فأودعت به الوهن ورحلت، كلُ ما أذكره سؤال والدي للطبيب عن حالي، حينما كنتُ أتصنّع النوم كذباً ، فيصم أذني جوابه " انتظروا موته".
 

كلمتان كفيلتان أن تهدم شعرة الأمل التي كنتُ أتشبث فيها وأقاتل بها الموت، كلُ ذلك دفعني لأن أعيد النظر بأيامي المتبقية ولست أدري لربما ساعات أو بضع دقائق، أقبلتُ على ربيّ فلا أنيس لي سواه، وفي إحدى الليالي استأذنني والدي لقضاء بعضاً من حوائجه، وتركني من خلفه هيكلاً تتآكل روحه ولحمه رويداً رويداً، مللتُ من وحدتي فالتجأت كعادتي إلى سجادة الصلاة كما أفعل كل مرة مذ إقامتي في أقبية المستشفى، سجدتُ فتثاقلت وغفيتُ مكاني.

لم تمر لحظات إلا وصوتُ رجل يجلس على سريري قائلاً "محظوظٌ أنتَ يا صديقي"، لم يكن أحد أصدقائي الذين ألفتُ وجوههم، ولا أظنني أعرفه، وأيُّ حظ ذاك الذي يتحدث عنه وأنا الغريق في أوجاعي فأجابني "أنا رجل خفيف الظل، غريب الطباع، قليل الحياء، دقيق في الأداء لا أخطئ فريستي"، "أنا الموت يا صديقي، أنتَ محظوظٌ بمضاعفة الطاعات، وتدارك الأخطاء، والسهر على الصلاة، والديمومة على الاستغفار، والطرب بآيات القرآن.

من العار علينا أن نرسب في اختبار لا يحتوي إلا على ثلاثة أسئلة: من ربك، ما دينك، ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم. وقد سُربت إجاباته إلينا قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام

بينما لا يحني غيرك ظهره إلا أثناء الرياضة، لا يعرف للركوع طريقا وربما لا يدري ما الفرق بين الأذان والإقامة، أوقاته لا تُشغل إلا بالمعاصي، محظوظٌ لأن المرض صحح مسارك وطيّب روحك وأيقظك من غفلتك، محظوظ لأنك غلّبت حلاوة العبادة على مرارة الألم، محظوظ لأنك لن تموت فجأة.

مات صديقنا وجلّ تفاصيل قصته حقيقة، وربما يكون أكثر حظاً مني ومنك، من يأمن لنا النهاية، ولسنا ندري أتغادر الروح بفعل قذيفة تحملها طائرة روسية أو إسرائيلية، ولربما عربية؛ تفتت الروح قبل أن ننهي قراءة هذه السطور، ونحن الذين نعيش في وطنٍ يقامر بالأرواح في كل دقيقة، أو تنقلب سيارتك وأنت في طريق العودة فتتحول لقطعة من اللحم المشوي بعد أن تأكل النار سيارتك، أو ربما تخطئ في نظامك الغذائي فينتهي بك الحال على طاولة المشرحة وبجانبك ورقة ذُيلت بتوقيع الطبيب الذي كتب بخانة سبب الوفاة "تسمم"، ولربما تموت بكذا وكذا، تأكد أن معظـم الذين ماتوا، كانوا يظنون أنهم سيعيشون غدا.
 

ما أود إخبارك به يا صديقي أنه من العار علينا أن نرسب في اختبار لا يحتوي إلا على ثلاثة أسئلة: من ربك، ما دينك، ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم. وقد سُربت إجاباته إلينا قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام مضى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يعرض الجلوس والتصلب في وضعية واحدة فترات طويلة حياة الإنسان للخطر، إذ أنه يؤثر على القلب والدورة الدموية مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، وفقا لدراسة ألمانية حديثة.

تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية، والعمل بشكل منتج ومفيد والإسهام في مجتمعه المحلي.

الأكثر قراءة