صديق ونصف فقط! في معنى أن تكون صديقاً

كان والدي كثيراً ما يقص عليّ قصة "الصديق ونصف صديق فقط"، وللأمانة فقد كانت قصة غريبة مستهجنة لديّ إلى وقت ليس ببعيد!

تقول القصة أن أحد الأشخاص كان كثيراً ما يتباهي بكثرة أصدقائه وكثرة تردده عليهم وترددهم عليه، وفي يوم من الأيام ألمّت به مصيبة، فتذكر أصدقائه وذهب مباشرة إليهم يسألهم المساعدة، فكانت المفاجأة التي صعقته! إذ أغلق الأول أمامه الباب، وكذلك فعل الثاني، وغيره، وجعل الأصدقاء يتفلتون من أمامه، إلا شخصين اثنين، فقد عرض عليه الأول مساعدة كاملة تصل إلى حد التضحية بكل ما يملك، ووعده بالوقوف إلى جانبه إلى أن تزول المصيبة، فكان هذا "صديق" .. صديق كامل، وشخص آخر عرض عليه المساعدة بحل جزء من المشكلة فقط، فكان هذا "نصف صديق"!

للقصة تفاصيل أخرى، ولكنها هنا – في معرض الحديث عن المعنى الحقيقي للصداقة – لا تغدو أن تكون تفاصيل لا أهمية تذكر لها.

كثيراً ما أتذكر هذه القصة وأنا انظر إلى نفسي كصديق للكثيرين ممن حولي، أو انظر إلى من هم أصدقاء من حولي، وأسأل نفسي السؤال ذاته: "هل يا ترى أنا صديق؟ أم نصف صديق؟ أم ذاك الذي أوصد الباب؟ .. ونفس السؤال أنقله إلى خانة أصدقائي وأمرره عليهم!

الصداقة الحقيقية كنز ثمين لا نجده على فيسبوك أو تويتر، وإنما يكون نتيجة لسعينا الحثيث في هذا الطريق، بعد مكابدة ومصابرة، وتجاوز للاختبارات والعقبات.

أنا لست مع فيسبوك في تسمية كل من له علاقة معنا بـــ "صديق"، وإنما أميل أكثر إلى تسمية تويتر كــ "متابع" أو لينكد إن كـــ "ذي علاقة، أو ذي صلة" فهذه التسميات أقرب إلى الواقع الحقيقي والافتراضي في المجمل بنسبة كبيرة تكاد تصل إلى 95%.

وأما الأصدقاء الحقيقيون فلا نحتاج إلى وسائل اجتماعية لتذكرنا بتاريخ ميلادهم، أو صورهم، وأعمالهم، فهم إما حولنا يحومون، أو حول أرواحنا يحلقون.

طريق الصداقة وعر، طويل، ثقيل على أرباب المصالح، وطالبي الخدمات المستعجلة، وأصحاب سلالم الصعود إلى مجد مزيف على ظهور المخلصين وأصحاب النوايا الطيبة. وهو في ذات الوقت، خفيف، لطيف، ذي ندى جميل في صباحات من ترق قلوبهم بدمعة ساخنة إلى من جاورهم لحظة صادقة ذات يوم جميل!

عذراً أصدقائي إن خنتكم يوماً فلم أكن إلى جانبكم في لحظة جميلة، أو سهوت عن مناسبة لكم كانت تعدني ضمن أهم الضيوف، وعذراً إن قدمت تعازيّ في أحبائكم كأي غريب مرّ جانب الطريق ذلك اليوم.. عذراً إن لم أكن على قدر المسؤولية في صداقتي وحبي لكم، وعذراً إن قدمت دنياي ووقتي ومصالحي على صداقتنا! عذراً وعذراً وعذراً!

كم من صديق ضيعناه بكلمة من وراء ظهره، ثم عدنا لنحسبه ضمن قائمة أصدقائنا على فيسبوك! وكم من صديق نسيناه في سجلات الهاتف، أو الإيميل، ثم تذكرناه لمصلحة ما، أو لحاجتنا له!

الصداقة الحقيقية كنز ثمين لا نجده على فيسبوك أو تويتر، وإنما يكون نتيجة لسعينا الحثيث في هذا الطريق، بعد مكابدة ومصابرة، وتجاوز للاختبارات والعقبات.

انتقوا أصدقاءكم جيداً، واحتفظوا بمن ترونه جديراً بأن يكون على قائمة قلوبكم، لا قائمة صفحاتكم على فيسبوك، وفي هذا المضمار تحديداً فكروا جيداً بالنوع لا بالكم، فكم من صديق "فيسبوكي" ليس له من اسمه نصيب!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اعتبر الخبير الأمني الإسرائيلي يوسي ميلمان في مقال بصحيفة "معاريف" أن قلة عدد المشاركين في محاولة الانقلاب بتركيا كانت السبب الرئيسي لفشلها، فضلا عن الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي.

صدر في قطر كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان "رصاصات ونشرات.. وسائل الإعلام والسياسة في أعقاب الانتفاضات العربية"، ويتناول العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والتحولات بالمنطقة منذ بداية الربيع العربي عام 2011.

الأكثر قراءة