دخول المعادلة لم يعد خياراً لنا

عندما نلقي نظرة فاحصة على المجتمعات المعاصرة نجد أنها تتشابة في أمور عديدة، وذلك التشابه الذي يلفت النظر يتمثل في أمر أصيل من أمور المجتمعات ألا وهو نشاط وفعالية تلك المجتمعات التي تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر، هذا العنصر أصبح عنصراً أساسياً حيث أدركت أهميته المجتمعات المتقدمة.

وهو يختلف باختلاف المجتمعات حتى يمكن أن نتخذه مقياساً خاصا لقياس المستوى التاريخي لهذه المجتمعات فهناك مجتمعات أكثر فعالية من مجتمعات أخرى، وإذا تقرر هذا في ذهن كل ناظر إلى تلك المجتمعات وقد يتقرر بمجرد النظرة إلى قائمة النشاط أو الفاعلية في ذلك المحيط، فيجب أن نتساءل ما السبب الذي يؤدي إلى الاختلاف في درجه الفاعلية بين المجتمعات؟

 

كمجتمعات عربية وإسلامية نحتاج إلى إعادة ترتيب عقول النشء، كون الشاب العربي يلتقي بأفكار قاتله ووهوم كبيره.

الجواب يقتضي احتمالين نقول أن المسألة تتعلق بقضية الوجود أن تلك المجتمعات أدركت خطورة المستقبل وأجابت على أسئلة العصر، فبالتالي هي تجني تلك الثمار أو نقول أنها تتصل بناحية اقتصادية وهو أحد المحركات القوية التي دفعت المجتمعات نحو الفاعلية بشكل غير طبيعي والثانية هي نتاج الأولى.

ومما تقدم نجد أنفسنا أمام حالة مركبة ولا نستطيع الخروج بإجابة واضحة إلا عن طريق تأمل وتفكر عميق، فمن ناحية نلاحظ أن فاعلية المجتمعات المعاصرة أدركت المعادلة الخطيرة، ألا وهي التركيز على الإنسان الذي هو نقطة ارتكاز أي مشروع وأيضاً أن تلك المجتمعات مع اختلاف معتقداتها نجدها عملت بالمفهوم القرآني العميق:

"لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ" وسوءً هنا نكرة فالنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فيصبح المعنى إن عملت سوءً في السياسية أو الاقتصاد أو الاجتماع فتشمل السوء في كل شيء ستنال جزاء ذلك السوء؛ وكمجتمعات عربية وإسلامية نحتاج إلى إعادة ترتيب عقول النشء، كون الشاب العربي يلتقي بأفكار قاتله ووهوم كبيره.

ولا يمكن أن تدرك تلك المجتمعات المراتب المتقدمة إلا بأن تتخلق عقلية ونفسية الشخص العربي والمسلم بتلك المفاهيم التي أدركتها المجتمعات المتقدمة، لأن هناك في العمق قناعات وكل ما يدور حولها هي تبريرات، ومن ثم سلوك هو شعور بعدم الإمكان لأن الشخص لا يحكمه جسده ولا قلبه وإنما تحكمه الأفكار التي يحملها، وكذلك المجتمعات هي تحمل منظومات أفكار وحسب تلك المنظومات تكون نتائج وفاعلية تلك المجتمعات.

مهما تكن الأسباب الكائنة وراء ظاهرة النشاط الاجتماعي فإنه يمكن حصرها في سبب عام نصطلح عليه بالفاعلية، وهذا لا يؤدي قطعاً إلى تفسير واضح إنما يحدد ذلك المفهوم لا في منطوق الكلمة اللفظي بل في حقيقتها الاجتماعية ومضمونها، يعني أن تشخيص أي حقيقة اجتماعية نقيس بها جودة ذلك المجتمع تكون بالفاعلية التي هي معيار يمكن من خلالها أن نحكم على المجتمعات المتقدمة أو المتخلفة وتتسم الفاعلية أيضاً في صورتين مادية ومعنوية.

 
من الناحية الأولى نرى أن نشاط ذلك المجتمع ينتج حاجات حتى يستغل أفراد المجتمع تلك الحاجات وهذا لا يتعلق فقط بتلك العملية الصناعية أو ذلك المنتج البسيط، ولكن في تلك النفسية التي سيشعر بها أشخاص ذلك المجتمع وغرس للهوية، ولو أخذنا ذلك المثال على صناعة معمل الكيمياء ونحن نسمع العالم يردد وينسب علم الكيمياء إلى جابر بن حيان ويقول أنها كيمياء جابر عندما تسمع ذلك أمام الأمم والمجتمعات الأخرى ستشعر بنفسية مختلفة.
 

الباب الذي ينبغي أن نعود منه إلی الفاعلية الاجتماعية هو باب الواجب وأن نركز منطقنا الاجتماعي والسياسي والثقافي علی القيام بالواجب أكثر من تركيزنا على نيل الحقوق.

ومن الناحية المعنوية نرى أن هذه الفاعلية تفرض على المجتمع حياة منظمة خاضعة لقوانين معينة، فنجد في ذلك المجتمع البسيط ظاهرة تقسيم العمل فتزيد مهام الشخص عن عشرة أنواع كل مهمة لها رصيدها من الطاقات الاجتماعية.

المجتمعات المعاصرة والمتقدمة دخلت إلى الفعالية عبر بوابتين كبيرتين، الأولى أنها واجهت المشكلات مستبشرة لا متشائمة فإذا ما واجهنا الأمور فقد أصبحت في حكم الاستحالة حتماً ستكون النتائج غير التي نريدها فبالتالي لابد من تعزيز مساحات الأمل والباب الآخر الذي لا يقل أهمية عن الأول لا للتساهل لأن نفسية التساهل تجعل طاقات الإنسان غير مستفزة في جميع المجالات في التعليم والصناعة والزراعة إلخ..

إذا ما نظرنا إلی الأشياء علی أنها أمر تافه لا قيمة لها لن ندرك تلك الخطورة إلا عندما نجني ثمار تلك الاستهانة، فقد نظرنا إلى مجتمعات كثيرة على أنها لا شيء وشعرنا نحن أنا أفضل منهم بكثير، والآن تلك المجتمعات لها بصمات واضحة في هذا العالم فينبغي علينا أن نتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل فليس هنالك شيء سهل، وليس هنالك شيء مستحيل.

ثم إن الباب الذي ينبغي أن نعود منه إلی الفاعلية الاجتماعية هو باب الواجب وأن نركز منطقنا الاجتماعي والسياسي والثقافي علی القيام بالواجب أكثر من تركيزنا علی الرغبة في نيل الحقوق لأن كل شخص بطبيعته تواق إلى نيل الحق ونفور من القيام بالواجب، وهذ أيضا يخالف السنن والقوانين الكونية لأن السنن الكونية تقول أن كل شيء في هذه الحياة حقوق وواجبات.

إذن لا نريد من الفرد أن يطالب بحقوقه فالطبيعة كفيله بحقوقه، بل ينبغي علی أصحاب الخطاب والمثقفين ومن يمثل كل سلطة أن يوجهوا الهمم إلی الواجب فالمجتمعات التي تتقدم وتنمو ذلك يعني أن لديها رصيداً من الواجب فائضاً علی الحقوق.

كيف ترتقي ظاهرة الفاعلية الأجتماعية؟
نجد أن هذه الظاهرة تخضع لقانون معين أن الفاعلية تنمو تدريجياً مع تعقد المصلحة أي أن النشاط الأجتماعي يرتقي بقدر ما يكون النشاط الفردي موجهاً لسد حاجات غير.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

فاز الأميركي المولود في بريطانيا أوليفر هارت والفنلندي الأميركي بنغيت هولمستروم بجائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2016 لإسهاماتهما في تطوير "نظرية العقد"، فما هي هذه النظرية وما الفائدة منها؟

الأكثر قراءة