بكائية الإخوان والفكر الأسير

منذ أكثر من ثمانين عاما، ظل الإخوان في بكائية لا تنتهي، عاش فيها القادة ثم تعايشت معها الأجيال المتتالية، ترى الإخوان في عتمة السجون بين معتقل ومعذب وشهيد، وكل ما يفعله الإخوان هو بكائية وإجادة تمثيل دور الضحية. يخرج عليك الكثير من المربين أو المفكرين داخل الجماعة يحدثونك عن البلاء والصبر على البلاء، ويسردون قصص تتحاكى بها الأجيال عن ضحايا الإخوان عبر التاريخ، وهكذا أصبحت العقول والقلوب سجينة بين الجلاد وفكرة الضحية وسنة الإبتلاء.

ظل المفكرون داخل الجماعة بنفس الفكرة، فكرة الاستسلام والخنوع، ولم تتغير تلك العقلية حتى بعد الانقلاب وطول فترته.

طيلة هذة الفترة من تاريخ الجماعة، لم يتعلم القادة أو يعلموا الأجيال فكر المنتصر، ولم تخرج العقول من سجنها ولم يفك أحد أسرها، ولم تتحرر من أسر الزنزانة وظلمتها، وأصبح الأسر والاعتقال بطولة، وأصبح قدر من ينضم إلى الجماعة أن ينتظر دورة في الأسر وينحصر عقله بين جدران الزنزانة. لم تقم الجماعة ولم يفكر القادة في كيفية الخروج من تلك المرحلة، مرحلة الاعتقالات والفكر الأسير، أو يتخلصون منها ولا يعلمون أبناء الجماعة أن هذا ليس أمر واقع، ولكن علينا أن نضع الخطط والعراقيل أمام تلك الأنظمة الغاشمة وتلك الحكومات، لإيقاف الاستنزاف والاعتقالات، ولابد أن ينتهي هذا في مرحلة من مراحل وسنوات الجماعة.

لابد أن نترك دور الضحية إلى دور المنتصر.
لم يفعل المسلمون الأوائل مثلما فعل قادة الجماعة، فهذه غزوة أحد على سبيل المثال، فيهزم المسلمون وبينهم الرسول صلى الله عليه وسلم القائد الأعلى، بعد أن خالف المسلمون أمر الرسول، فكانت الهزيمة ونزلت سورة آل عمران وفيها عتاب من الله عز وجل للفئة المؤمنة، لم يجامل الله تلك الفئة على ما فعلت من أخطاء فى المعركة، بل كان اللوم والعتاب وكان الأمر واضحاً وصريحاً، وإيضاحا لأسباب الهزيمة حتى يكون الأمر عبرة وآية وتحريضا على النصر وعدم الإستسلام ((وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) – آل عمران. إن الذي يعيش مع الفكر القرآني يتعلم معه أن يعيش دور المنتصر، لم تطلب أبدا آيات القرآن من الإنسان المسلم أن يعيش دور الضحية وأن يجيد تمثيل هذا الدور.

ظل المفكرون داخل الجماعة بنفس الفكرة، فكرة الاستسلام والخنوع ولم تتغير تلك العقلية، حتى بعد الانقلاب وطول فترته، إلى الآن يخرج البعض علينا بفلسفة عجيبة، أن الفوز ليس هو الانتصار أو الهزيمة، قد يكون الفوز هو انتصار معنوي وكأنهم يعيشيون في عالم من الخيال أو درب من دورب الخبل، نسي هؤلاء كيف انتصر محمد -صلى الله عليه وسلم- وكيف انتصر الصحب الكرام، لم يخرج علينا أحد من الصحابة يحدثنا بتلك الفلسفة أن الفوز ليس الانتصار والهزيمة.

وإذا ما معنى أن يبقى العدو على قمة الأمر؟ وما معنى بقاء تلك الأنظمة الغاشمة؟ إنها العقول الأسيرة هي التي تتحدث ومازالت تعيش بين جدران الزنزانة وعتمتها، لم تتحرر من فكر الضحية إلى فكر المنتصر. وما الفرق بين تلك الفكرة في الانتصار الزائف وبين ما كان يفعله التتار بالمسلمين، حين كان التتاري يجعل المسلم ينتظره حتى يأتي بالسيف ليقطع رقبته! إنه فكر المنهزم الأسير. والسؤال الذي يطرح نفسه، متى يعيش القادة وتعيش معهم الأجيال دور المنتصر؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مراسل الجزيرة إن ناحية "برطلة" شرقي الموصل شهدت اشتباكات بين الجيش العراقي وتنظيم الدولة الإسلامية، وذلك مع بدء الجيش التقدم باتجاه مدينة "تلكيف" شمالي الموصل ودخوله الحمدانية بالجنوب الشرقي.

الأكثر قراءة