المثقف صَوْتٌ أم سَوْطٌ؟

blogs - Zola
مثقف السلطة هو الذي نجح في فضَّ اشتباك العلاقة الجدلية بين المثقف والسلطة، وارتضى لنفسه أن يكون في جيب السلطة، لا يتردد في مدحها، وتضخيم إنجازاتها، وتبرير تقصيرها وإهمالها، والدفاع عنها في كل مناسبة ومَحْفَل. وما كان محدوداً مستتراً في السابق، مقتصراً على فئة مرتزقة قليلة، تقوم به على استحياء ومواربة، أصبح اليوم ظاهرة علنية، يتباهى أصحابها بصراحة وفخر بقربهم من السلطة، والعلاقة الحميمة معها، والتمرغ في أحضانها.
هذه النوعية من المثقفين تنتمي شكلاً إلى الثقافة، ولكنها في الحقيقة لا تختلف عن أدوات السلطة الأمنية والقمعية، وأدواتها الإعلامية المُكرَّسة لها، وتحوَّل هؤلاء إلى أبواقٍ توُزع تُهم التَّخوين، والعَمالة، والأجندة الخاصة، والمصالح الشخصية، والفساد لكل من ينتقد السلطة أو أي عضو فيها مهما صغر شأنه، ولا تتورع عن بّثِّ سُمومها لقتل شخصيته والنبش في حياته الخاصة؛ للقضاء المبرم عليه، أو على الأقل إخراسه، وقطع لسانه، ودفعه للانزواء والتقوقع بعيداً عن المواطنين وهمومهم.

المثقف الحقيقي لا يستعدي السلطة على المواطنين الذين يمارسون حرية التعبير، وإنْ تجاوزوا الحدود، فللسلطة أدواتها وأجهزتها المختصة بالمحافظة عليها وإجراء اللازم لحمايتها.

مثقف السلطة، حربائي، سهل التلوّن، والانتقال من حضن إلى حضن، فهو مع السلطة أياً كان رُبانها، لا يتورع عن قصف من مدحه بالأمس إذا خرج من السلطة، ولا يجد حرجاً في التهليل لمن كان عُرضة لتخوينه وذمه إذا استلم سلطة ما. وقد يبقى متمسحاً بسيده الأول؛ انتظاراً لفرصة أخرى له، فالسلطة يوم لك ويوم عليك.

مثقفو السلطة، سلعة، معروضة للبيع، وهم من عرَّاهم حسين العموش في روايته "رجال للبيع"، ينتقلون من سيد إلى سيد حسب الثمن المدفوع، أو حسب المنافع المنتظرة.
مثقفو السلطة، قد ينتقدون السلطة أحياناً، ولكنه نقد غزلي غير عذري، ينتقدون تصرفاً للحكومة، ولكنهم يجدون له ألف مبرر وعذر، ويعددون بجانبه عشرات الإنجازات للسلطة وفضلها وعبقريتها، فيبدو الخطأ فضيلة وحسنة تضاف إلى فضائل السلطة وإنجازاتها.
ومثقفو السلطة قد يغضبون أيضاً، ويُدِّبون الصوت عالياً، إذا لم يقبضوا الثمن، أو أُنتقص منه، أو قُدم عليهم من لا يستحق ذلك بزعمهم، يصرخون ليقولوا لأولياء نعمتهم: نحن هنا، نحن هنا، وإن لم تُعّدِّلوا الكفة سلقناكم بألسنة حداد، ونشرنا أوراقكم على الملأ.
مثقفو السلطة، ومن لف لفهم ومن كان على شاكلتهم، ما هم إلا بلطجية للسلطة، وسحيجة لها، يسعون لتطهير ما نجس فيزيدونه رجساً إلى رجس، ويستميتون من أجل صورة مشرقة لسلطة لا تعترف إلا بفوقيتها وأنها ما جاءت إلا لأنها الأعلى والأحق بالحياة، أما الآخرون -بقية المواطنين- فهم مجرد رعية وأتباع لا حق لها إلا أن تكون تابعة مطيعة، لا ترفع رأسها إلا للتمجيد والتهليل لها.
وفي المقابل، فإنَّ المثقف الحقيقي لا يستعدي السلطة -أي سلطة- على المواطنين الذين يمارسون حرية التعبير، وإنْ تجاوزوا الحدود، فللسلطة أدواتها وأجهزتها المختصة بالمحافظة عليها وإجراء اللازم لحمايتها. ولا يستقوي بالسلطة على المواطنين لمجرد اختلاف في الفكر والرأي، لأنَّ المثقف لا يؤمن إلا بالحوار وسيلة للتدافع الفكري، وإلا ما الفرق بينه وبين السلطة؟!
المثقف الحقيقي يجب أن يكون على تناقض مع السلطة -أي سلطة-، لأنها بنظره سلطة غير عادلة، غير منصفة، غير نزيهة، سلطة تمارس الظلم والتمييز والمحاباة، حتى وإن كانت سلطة سويسرا أو اليابان أو جمهورية أفلاطون الفاضلة، فكل سلطة ليست مبرأة من الخلل والقصور والظلم. ولذا من واجبه أن يصطف مع المواطنين وإن أخطأوا في الرأي والتعبير.
 
المثقف الحقيقي يؤمن بالحرية كقيمة إنسانية لا مساومة عليها، وخاصة حرية الرأي والتعبير، لا يؤمن بقيود السلطة، ولا خطوطها الحمراء، نعم يحترمها مُكرهاً لكنه يسعى لإسقاطها.

وليكن له في موقف زولا قدوة حسنة، حيث اتهم الضَّابط دريفوس، عام 1894م، زورًا وبهتانًا بالتَّجسُّس لألمانيا، ففَزِع أهله وذووه إلى "الرَّأي العامّ" يستحثّه ويستنهضه، فلمَّا بلغ خبره نفرًا مِن أهل القلم، ولمَّا استيقنوا أنَّ الرَّجُل مظلوم، وأنَّه أُخِذَ بالباطل، لم ينكصوا، ولمْ يَقولوا: إنَّ الأمر لا يعنينا، فانبرى الرِّوائيّ المشهور إميل زولا، مِنْ فوره، وأنشأ مقالته ذات العنوان المثير "إنِّي أتَّهِم"، فزلزل الأرض مِنْ تحت أرجُل الظَّلَمة والطُّغاة، وما لبث أنْ ظهر "بيان" عليه تواقيع نفر مِنْ قادة الرَّأي في فرنسا، أعلنوا فيه وقوفهم إلى جانب الحقّ، وجعلوا يشنِّعون على الظُّلم وأهله، ويُلِحُّون على إعادة النَّظر في قضيَّة ذلك الضَّابط المظلوم، وحملتِ التَّوقيعات أسماء كوكبة مِنْ قادة الرَّأي، نعرف منهم أناتول فرانس، وأندريه جيد، ومارسيل بروست، ولوسيان ليفي برول، وغيرهم دفاعاً عن الحقوق والحُرِّيَّات، ومن هنا ظهرت طَّبقة "قادة الرَّأي"، أوْ "أهل القلم"، التي صار الدِّفاع عن الحقوق والحرِّيَّات خصيصة مِنْ خصائصها الَّتي لا تنفكّ متَّصفة بها.
حسين بافقيه، كلكم يطلب صيدْ، بتصرف.


المثقف الحقيقي يكون صوتاً مدوياً على السلطة، صوتاً يُرعبها ويُقضُّ مضجعها، لا سَوطاً في يدها وربما ما هو أسوأ. فلا يتبرع لإدانة آخر أو كشف ما استتر من أمره أو تضخيم أخطائه، ولا يُزايد السلطة إذا تغافلت، هذا مثقف لا يستحق هذه الصفة، وهو لا يمتُّ للثقافة بصلة. فالمثقف لا يكيل بمكيالين ولا يكون بوجهين، يُضخِّم أخطاء مخالفيه، ويُفَوْتِنُ أخطاء مؤيديه وإن تشابهت وربما عُظمت.
المثقف الحقيقي يؤمن بالحرية كقيمة إنسانية لا مساومة عليها، وخاصة حرية الرأي والتعبير، لا يؤمن بقيود السلطة، ولا خطوطها الحمراء، نعم يحترمها مُكرهاً لكنه يسعى لإسقاطها، لا أن يُكّرِّسُها لاصطياد مخالفيه في الرأي. فالحرية لا تُقَوْلَب أو تُفّصَّل أو تُكَيَّف وليس لها مكاييل تطول على مقاس زيد، وتقصر عن مقاس عمرو.
المثقف الحقيقي إما أن ينحاز للحرية بأسمى معانيها وأعلى آفاقها، وإما أن ينحاز للقضبان، ولا خيار غيرهما. فاختر لنفسك، وصنفها، وكن صادقا مع نفسك على الأقل.


حول هذه القصة

مسجد الأمير العساف بني عام 1523 ميلادية وتميز بجمال قبابه العثمانية

ركز الأمير شكيب أرسلان في مقدمة كتابه المعنون بالسيرة الذاتية، على عرض موسع لموقفه من قضايا الإصلاح والديمقراطية، والحملة التي استهدفته من القوميين المسيحيين وغيرهم في لبنان.

مقال رأي بقلم
Published On 11/5/2016
الجولاني: جبهة النصرة تقوم بتدريس كتب سيد قطب

خمسون عاما مضت على استشهاد سيد.. كثرت فيها عليه السكاكين، وتناوشته سهام المتنطعين وأنصاف المثقفين، وعلماء السلاطين، وأتت على فكره ومواقفه غيوم سوداء، وحملات تحريض وشيطنة، تصوره زورا شخصية تكفيرية.

مقال رأي بقلم
Published On 30/8/2016
المثقف الإقطاعي

كثيرا ما يطرح سؤال يتعلق بسلطة المثقف هل هي موجودة، ثم ما هي عناصر هذه السلطة؟ وما العلاقة بين سلطة المثقف والأيديولوجيا والقمع؟ وكيف يمكن التعبير عن جدلية الثقافة والوعي؟

مقال رأي بقلم
Published On 29/8/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة