أمة وسطا

في إحدى الجلسات مع الأصدقاء هنا في العاصمة الماليزية كوالالمبور، تطرقنا إلى مسألة الحديث عن الإسلام مع غير المسلمين في هذا البلد، وأجمعنا على أن أصعب سؤال كنا نواجهه في تلك المناقشات، هو "لماذا يقتل المسلمون بعضهم بعضاً في العديد من البلدان؟".
الحقيقة إنه سؤال محرج، فكيف ترد عليه، وكيف تقنع الذي أمامك بصدق قولك، فإذا كانت أهم مميزات الإسلام الرحمة والسماحة، فكيف لا يلتزم بها أتباعه في معاملتهم مع بعضهم؟.
تأملت كثيراً في هذا السؤال، وقادني ذلك إلى التفكير في أهم ما يميز الإسلام عن غيره من الديانات، فوجدت أن ذلك هو "نقاء الفطرة"، فالإسلام هو دين الفطرة السوية، إنه يعني انسجاماً بين الفكر والعبادة، ثم تصدق ذلك المعاملات مع عباد الله، دون أي اعتبار للدين أو العرق أو اللون، إنه السلوك الإنساني الحضاري في جوانب الحياة مجتمعة، وبذلك يحافظ على نقاء الفطرة وطهارتها، من ملوثات الحياة المادية.

الوسطية تحمل معها أسرار الإسهام الحضاري، وسيكون له آثاره الايجابية، على الصعيد الدعوي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

فهو لا يمنح الإنسان حرية الفكر، ثم يأمره بتعظيم بشر كتعظيم الخالق أو يزيد، أو تقديم أصناف الطعام والشراب لحجر لا يضر ولا ينفع كما نراها هنا، ولا يقره كذلك على الإساءة إلى خلق الله، أيا كانت مرجعياتهم الدينية، وخلفياتهم العرقية والثقافية.

وهذا يقودنا إلى قول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ" (البقرة:143).

في اعتقادي أن الوسطية وسطية شاملة، وليست مقصورة على وسطية التشريع فحسب، ومن ذلك: وسطية الفكر، والعبادة، والمعاملة.

فوسطية الفكر تعني اعتماد منهج القرآن والسنة في كل صغيرة وكبيرة من أمور الحياة، دون تهاون في ذلك، أو تأويل الآيات والأحاديث وفق الأهواء الشخصية، فالأول يعتبر تفريطاً تضل به العقول، فتتبع المناهج شرقاً وغرباً، والثاني إفراطاً نتيجته عزلة عن المجتمع؛ لأنه في وجهة نظر أولئك مجتمع كافر يستحق الخصومة.
أما وسطية العبادة، فهي أن تأتي من العبادة ما تطيق، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فلا تقصير يؤدي إلى الفراغ الروحي، ولا غلو يدعو إلى السآمة والملل، ثم التراجع والنكوص.
ووسطية المعاملة، إنها وسطية لا تلغي الفرد وسط الجماعة، فتضيع حقوقه ليصبح معزولاً لا يشعر بأي انتماء لمجتمعه، ولا ترفع من شأنه فتقدسه، فيكون هو المحور الرئيس فيها، وهي قائمة فقط من أجل خدمته، فأنت لا تعيش لنفسك فقط، ولا تعمل طيلة الوقت للآخرين فتنسى حظ نفسك من الدنيا.
أحسب أن أعداءنا أدركوا جيداً تلك الخصلة العظيمة، التي تميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم، فحاربونا عليها، ولن ألقي باللائمة عليهم فقط، فقد توافق تخطيط عدونا مع أهواء وحظوظ ثلة من أبناء هذه الأمة.
التقصير والغلو كلاهما مذموم، فقد رأينا كيف يستبيح حكام ظلمة حرمة الدماء والأعراض والأموال، مبررين ذلك بأنهم يحافظون على سلامة البلد واستقراره من الإرهابيين، ورأينا أيضا جماعات تفعل فعل الحكام، بحجة إقامة شرع الله في الأرض، فهما في الوزر سواء.
هذه الأمة ستشهد على الأمم من قبلها، "لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"، ومن مقتضيات الشهادة العلم والعمل، فكيف يشهد من لا علم له بحقيقة هذا الدين؟، وهل تقبل الشهادة ممن ضل صوابية العمل، ففرط أو أفرط؟.
الوسطية تحمل معها أسرار الإسهام الحضاري، وسيكون له آثاره الايجابية، على الصعيد الدعوي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم كله، وهذا ما يحسدنا عليه من ضلوا من قبلنا، فليت قومنا يفهمون ذلك جيداً.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بدعوى التخلص مما يحض على العنف، حذفت وزارة التعليم المصرية دروسا مقررة بالمناهج التعليمية العام الدراسي الماضي، وهو ما استكملته هذه السنة بحجة إزالة "التكرار والحشو".

قالت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) إيرينا بوكوفا إن مدينة القدس القديمة مقدسة بالنسبة للديانات السماوية الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية، وإن تراثها غير قابل للتجزئة.

يأتي قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) بتقويض الرواية الإسرائيلية حول الهيكل المزعوم أسفل المسجد الأقصى ضمن معركة يخوضها الفلسطينيون والعرب مع الاحتلال في أروقة المنظمات الدولية.

الأكثر قراءة