راس بوتين الذي في الكرملين

blogs - putin
إنني لن أتحدث في الحقيقة عن غريغوري راسبوتين الراهب الفاسق في روسيا القيصرية، والذي انتهى به المطاف مقتولاً في بحيرة نيفا، وإنما أتحدث عمن يسميه منظروا السياسة في روسيا اليوم ب "راس" بوتين أو "عقل بوتين" لكونه أحد أكثرهم تاثيراً في فكر وعقل الرئيس الروسي، وهو البروفيسور والفيلسوف أو المنظر السياسي "ألكسندر دوغين".

روسيا التي مرت بمرحلتي الشيوعية والليبرالية، يجب أن تدشن مرحلة تغيير جديدة عالميا بناء على سمو إمبراطوري أوراسي، أي بناءً على أسس أخلاقية جديدة بديلة عن القيم الاستهلاكية المادية.

والغريب أنه ورغم ضلوعه السياسي إلا أنه صار ناسكاً أرثوذكسياً أيضاً، بعد اعتناقه للخط الأرثوذكسي المحافظ وعودته للعمق الديني للقومية الروسية، في نفس سياق نزوحه نحو الجذور، فبعدما كان معارضاً للنظام السوفيتي الشيوعي في أثناء دراسته الجامعية، حتى عرف عنه انتمائه لجماعة "باميات" القومية المعارضة، إلا أن سقوط الاتحاد السوفيتي وتوابعه قد جعله معارضاً شرساً للخط الليبرالي الغربي في عهد يلسين، أو العودة إلى ما يمكن اعتباره البلشفية الوطنية، حيث شارك في انتفاضة ١٩٩٣م، ثم أسس الحزب البلشفي القومي كأشد المعارضين آنذاك.

ومع تغير الأجواء في روسيا، وصعود بوتين لرأس السلطة في نفس الوقت الذي تورط فيه المحور الأنجلو-أمريكي في نفس المستنقع الأفغاني عقب أحداث ١١ سبتمر، عرض دوغين نظريته الأوراسية على السلطة كقاعدة أيديولوجية أو مذهب سياسي لروسيا الجديدة، وهو ما بلوره في كتابه "الطريق الاوراسي كفكر وطني" ، وبدا واضحاً أنه يحاول أن يدفع روسيا إلى المشاركة في تحديد طبيعة النظام العالمي المعاصر، ومنازعة القطب الأحادي فيه.

ألكسندر دوغين الحائز على درجتين للدكتوراه إحداهما في الفلسفة والأخرى في العلوم السياسة، وله أكثر من ٣٠ كتابا أهمها "الأوراسية الجديدة" و "أسس الجغرافيا السياسية" وهو كذلك مبدع "النظرية السياسية الرابعة"، أراد أيضاً كسر احتكار منظري المحور الآخر لعلوم إدارة العلاقات الدولية، من أمثال هنتنتجون، وبرجينسكي، وجوزيف ناي، وكينيث والتز وغيرهم.. بل أراد نقض المفاهيم الفلسفية الرئيسية عند منظري الغرب، وهي ما قبل الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة، فأصدر كتابه: "مذاهب ما بعد الفلسفة" ليثبت أن القومية الروسية لم تتكيف قط مع ما سمي الحداثة كفكر غربي دخيل، وإنما بقيت دوماً فيما قبل الحداثة حتى النخب السياسية والثقافية فيها.

نظرية دوغين الأوراسية والتي لخصها في أطروحته "النظرية السياسية الرابعة"، تمثل أيديولجية الكرملن والنخبة الحاكمة في روسيا، باعتبارها بديلا للنظريات الثلاثة السائدة في القرن الماضي: وهي الشيوعية والفاشية والليبرالية. وملخص الميتافيزيقا البلشفية هذه هو إعادة تدشين "الإمبراطورية الأوراسية"، بتعزيز القوة الجيوسياسية لروسيا والتكامل بين المحاور البرية التابعة لها في الحزام الأوراسي، والحزام الباسيفيكي، والحزام الأورو-أفريقي (ومن ضمنه العالم العربي)، بحيث تمثل قطبا عالميا منافساً للمحور الأمريكي أحادي القطب، وبمعنى آخر، سيصبح الشرق الأوسط ساحة اشتباك جيوبوليتيكي مع الولايات المتحدة، ويصبح انتصارها فيها ضرورة لبقائها وليس ترفاً.

وخلاصتها أن على روسيا التي مرت بمرحلتي الشيوعية والليبرالية أن تدشن مرحلة تغيير جديدة عالميا بناء على سمو إمبراطوري أوراسي، أي بناء على أسس أخلاقية جديدة بديلة عن القيم الاستهلاكية المادية، بل ويعيد على أساسها تفسير منطلقات الصراع العالمي في الحرب الباردة سابقا، كصراع جيوبولتيكي ذي أرضية جغرافية بين القوى البحرية الأنجلو أمريكية والقوى البرية الأوراسية، وليس بين الاشتراكية، أو الشيوعية والرأسمالية، وهو ما يمكنني تسميته بالعودة أو الردة إلى الجغرافيا كبديل عنها وكمبرر للسياسات الخارجية لروسيا كذلك. وهو ما يفسر سياسات بوتين البراجماتية لإنشاء اتحاد اقتصادي أوراسي واسع يشمل روسيا وكازاخستان وبيلاروس وأوكرانيا.

فالاتحاد السوفييتي -سلف روسيا- كان يعدل ربع مساحة العالم، ولكنه لم يكن قادرا على النفاذ إلى البحار الدولية وهي ثغرة جيوسياسة خطيرة، ومن المعلوم أن هذا الاتحاد حاول علاجها بغزو أفغانستان جنوبا لكنه مني بهزيمة مدوية أدت إلى تفككه. وهذا تحديدا ما يجعل سوريا هي محور هذا الصراع بين الفلسفتين في إدارة النظام العالمي، فهي تعد ركيزة أساسية -وربما وحيدة- للمشروع الأوراسي في شرق المتوسط، حيث توجد القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، والتي حولتها إلى قاعدة ثابتة الأسبوع الماضي.

ويبدو أن الكرملين -بقيادة بوتين وفلسفة دوغين- مستعد لخوض صراع عسكري طويل الأمد في سوريا، ليس فقط للحفاظ على نفوذها كقوة دولية عظمى، بل والدفاع عن وجودها في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط والبحار الدافئة. وهو نفس سبب الحرب على جورجيا، ومحاولة إقامة قاعدة روسية في مصر في منطقة سيدي براني، والتدخل في دونباس شرقي أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، ثم استقلال دونيستك ولوغانسك باعتبارها ضرورات جيوسياسية تتخطى جميع الاعتبارات. فروسيا بفعلها ذلك تضمن بقاءها ذات، يقول دوغين: "لو خسرنا دونباس، فإننا سنفقد القرم وبعد ذلك كل روسيا"، ويستكمل بقوله: "الربيع الروسي يستحيل بدون محور أوراسي في أوكرانيا، بغض النظر عن الشكل، سلمي كان أم لا"، أو ما يسميه هو ب "عامل الضرورة" أو "البديهية الجيوسياسية".

بوتين يعتقد أن التدخل العسكري في سوريا، ضرورة لاحتواء ما يعتبره إرهابا على تخوم هذا الحزام الأوراسي، قبل محاربته في الأراضي الروسية؛ لتكريس حالة الفوضى في المنطقة.

ويعتقد دوغين أن سوريا "هي الهدف الأبعد" من أوكرانيا ولكنها لا تقل عنها أهمية، فمواجهة ما أسماه الإرهاب وخاصة ما يعرف بتنظيم "داعش" هو ضرورة وجودية لروسيا من منظور الجغرافيا السياسية الأوراسية، وهنا يغرق دوغين في عمق نظرية المؤامرة Conspirasy theory التي ينفي ترويجه لها ليعتبر هذا التنظيم صناعة أمريكية كذريعة للتدخل في أي وقت، متناسيا كل الأسباب والعوامل الموضوعية لنشأته ووجوده، ويستدل باعترافات بريجنسكي عندما كان مستشارا للرئيس الأمريكي جيمي كارتر بالحصول على تفويض منه بتمويل المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي.

ويخلص من ذلك إلى أنه ينبغي أن تخوض روسيا معركة حقيقية مع القطب الأطلسي، باستخدام القوة في سوريا بدلا عن الدبلوماسية، خاصة أنها قد تعافت من مرحلة الضعف التي عانت منها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وأصبحت الآن قادرة على مواجهة سياسة الفوضى التي ابتكرتها أمريكا لتدمير الدول الوطنية، وإعاقة ما يعرف "بمشروع الشرق الأوسط الكبير". يقول دوغين: "سوريا هي خطنا الخارجي للدفاع، والخط القادم بعد سوريا هو على أراضي الاتحاد الأوراسي وحتى داخل الاتحاد الروسي".

ولذلك فإن بوتين يعتقد أن التدخل العسكري في سوريا، ضرورة لاحتواء ما يعتبره إرهابا على تخوم هذا الحزام الأوراسي، قبل محاربته في الأراضي الروسية، فنشاط داعش وغيرها لم يعد فقط في سوريا والعراق، وإنما في دول آسيا الوسطى كأفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان، بل وشمال القوقاز أي داخل روسيا نفسها؛ وهو لتكريس حالة الفوضى في المنطقة.

وهنا يزعم أن روسيا التي ستمنع بذلك انهيار أغلب دول المنطقة بعد سوريا، وخاصة دول شمال أفريقيا، مما يوقف تدفق ملايين اللاجئين إلى أوروبا، وهو ما قد يؤدي إلى خلخلة البنية الاجتماعية والاستقرار السياسي فيها. ويرى أن أوروبا أيضا ما زالت تقف كحائط سد على الحدود الجنوبية والغربية لروسيا، كما عملت درعاً واقياً أمام التوسع العثماني في حقبة سابقة، فالعلاقة بينهما تبادلية ولو لم تعترف أوروبا بذلك.