ثم سقطت غرناطة

blogs-الأدندلس

كان الليل مظلماً والبرد شديد فنحن في أول شهر من سنة 1492، أشجار المدينة تم استهلاكها منذ شهر في تدفئة الأولاد والعجائز والمؤن نفدت من المخازن والكل يبحث عن لقمة عند تجار الحروب يملأون بها بطون الأطفال.
 

في الحمراء بدأ الاجتماع
يا سادة: أنتم تعرفون الحال ثلاث سنوات من الحصار لم تبقي في غرناطة رمق للصمود الناس تطالبنا بإنهاء هذه المحنة وفيرديناند وإيزابيلا يبدون الآن بعض المرونة فما قولكم. هاجمت الأم ابنها: كيف تسلم ملك الآباء؟ تحدث الملك أبو عبد الله: وأنت يا موسى بن أبي غسان ماذا تقول في ما هو معروض أمامنا؟ قال موسى: يا مولاي كيف نسلم رقابنا لمن لا يرقب فينا إلاً ولا ذمة ألا تذكر ما فعلوه في بلنسية ألا تذكر نقضهم لمواثيقهم في سرقسطة ألم تقرأ عن أفاعيلهم في طليطلة؟ بل نقاتل حتى الموت.
 

قال الملك: ألم نصل للموت بعد؟ لقد مات الكبير والصغير ومن بقي فهو ينتظر مصيره طاوياً، سدت الأبواب وليس أمامنا سوى التسليم. أجاب موسى: أما أنا يامولاي فلتأذن لي سأستمر بالقتال أياً كان قرارك. لن أسمح بدخول الإسبان بلادنا دون مقاومة. لماذا أحمل هذا الوزر وحدي؟ أين ملوك الترك من بني عثمان ألم أرسل إلى بايزيد بن الفاتح العظيم؟ أشغله صراع النصارى في شرق أوربا عني؟ ألم يجد أرضاً مفتوحة ليعبر بجيشه نحو الجزيرة وينقذ أهلها؟
 

الكل ملام ومقصر، الكل بحث عن مصلحته ونسينا ونسي أن مصلحتنا الاستراتيجية نحن المسلمين في دعم بعضنا

أين الأشرف قايتباي رأس المماليك في الشرق؟ لقد اكتفى بتهديد البابا بطرد الرعايا النصارى من دياره رداً على أفعال الإسبان. أين الحفصيون؟ هؤلاء قصة أخرى فهم مشغولون بمجالسهم النيابية وجناحي حمامتهم الإسلامي والعلماني والتي ستسير بتونس كما يدعون نحو الحداثة. أين المغاربة؟ تنهد طويلاً وقال: هؤلاء تحديداً لا لوم عليهم لقد دافعوا عنا مرات عديدة وفي كل مرة خذلناهم بخلافاتنا وطموحاتنا الشخصية حتى نقلنا أمراضنا لهم فلم نعد نجد في عدوة المغرب بعد بني مرين من يحمل هم الاندلس.
 

كل ادعى عذراً لكن أحداً لن يقبل أنهم لم يتداعوا للتعاون لأجلنا بل لأجل أنفسهم. لو أرادوا التوحد لفعلوا ولغيروا المعادلة قوة العثمانيين الفتية وخبرة المماليك والدعم اللوجستي من أهل المغرب كان سينقذنا، الكل ملام ومقصر الكل بحث عن مصلحته ونسينا ونسي أن مصلحتنا الاستراتيجية نحن المسلمين في دعم بعضنا.
 

لست أنا وحدي أيها التاريخ لقد حملتني وزر أجيال كثير، غرناطة لم تسقط اليوم يا تاريخ غرناطة سقطت عندما تركنا الحكم الثاني لولد صغير يخلفه فينا، غرناطة سقطت عندما لملم الحاجب المنصور البلاد بعد هفوة الحكم لكنه أعاد الكرة وتركنا لذرية ضعاف ليسوا على قدر المسؤولية، فصار لدينا بدل الخليفة والحاجب ملوك طوائف كانوا سلماً على الروم حرباً على إخوانهم فأكلهم الروم الواحد تلو الآخر. أذكر أن أحدهم ويدعى المعتمد بن عباد أفاق يوماً فوحد ضفتي المضيق لنعيد زمن الأمجاد قبل أن ينقد غزله خوفاً على كرسيه فخسر الكرسي ونفسه وهذه عاقبة الخيانة.
 

أما نحن بني الاحمر فحافظنا على ما بقي من الاندلس دهراً من الزمن. آه يا أبا عبد الله أتلوم الجميع وتنسى نفسك؟ ألم تحارب عمك الزغل وتستعين بالإسبان عليه؟ ألم ترضى بالمعاهدات المهينة الواحدة تلو الأخرى حفاظاً على عرشك حتى وصلت لهذه الحال؟ أنت مثلهم يا هذا. 

وقع أبو عبد الله المعاهدة وسلم مفاتيح البلاد للروم واختار أهون الشرين فدخل الإسبان البلاد وانتظروا استقرار الوضع، فنقضوا العهد على عادتهم وقتلوا الناس وشردوهم واعتقلوهم في أفرعهم الأمنية المسماة بدواوين التفتيش: ديوان عسكري وآخر سياسي وديوان لجوية والديوان 215 وغيره مالا يعد ولا يحصى.
 

بالعودة إلى صديقنا موسى بن أبي غسان، هذا رجلٌ وفى بعهده فقاتل الإسبان وقاومهم فاتخذوه ذريعة للقتل والتشريد "موسى في الحارة الفلانية ارموها بالمنجنيق فأهلها يؤون الإرهابيين دمروهم" هكذا كان خطاب الإسبان.. يبقى السؤال بعد هذه الخاطرة ماذا حل بدول ذلك العصر الذين تأخروا عن نصرة الاندلس؟
 

موسى بن أبي غسان هذا البطل الذي خلد التاريخ جهاده ربما لو عااش بيننا في هذا الزمان لكان موضع لوم الكثيرين مع اتهام بالتهور والعمالة.

طال اعتداء الإسبان عدوة المغرب وهاجموا تونس مرات ومرات أما المماليك فقد طالهم اعتداء البرتغاليين أولاد عم الإسبان وشركائهم في الجريمة ولم ينج من هذه الدوامة إلا القوة الفتية لآل عثمان، ربما لأنها كانت الأصدق في ذلك العصر فأنقذت في نصف قرن ما يمكن إنقاذه من بلاد المسلمين وأخرت المد الصليبي عن الشرق وشمال أفريقيا لأربع قرورن تلت تلك الأحداث.
 

هذه القصة فنتازيا على جدار التاريخ قولت شخصياتها ما لم تقل ولم أهدف من ذلك للوم أحدهم أو تلميع الآخر بل حاولت قراءة الحاضر بعيون الماضي. وكما حمل أبو عبد الله الأحمر وزر الأندلس وحده كونه عاش ساعة الهزيمة، ندرس نحن المواقف في ساعتها دون النظر إلى السياق العام للأحداث نفاوض أم نقاتل نفتح الجبهة أم نتريث، فلان مسؤول عن الهزيمة والمجاعة في المكان الفلاني أم غيره وكأننا في لحظة الحدث نملك الخيار.
 

في سوريا نريد اليوم حلاً بعد أن فرطنا في الأوراق فسحبت من أيدينا وهذا طلب محال. موسى بن أبي غسان هذا البطل الذي خلد التاريخ جهاده ربما لو عااش بيننا في هذا الزمان لكان موضع لوم الكثيرين مع اتهام بالتهور والعمالة.
 

في النهاية وفي زمننا الحاضر مازالت بعض الدول في منطقتنا تمتلك بعض أوراق اللعب وعناصر القوة، فإن ملكت المخلصين من الرجال ستستطيع كما العثمانيين أن تنجو من الهجمة الغربية الشرسة لتدمير المنطقة، ولربما إن فكرت بمنطق إسلامي ستستطيع شدنا معها نحو الأمان من جديد، أما إن اكتفت بالمنطق القطري فستأكل كما أكل الثور الأبيض.