أفكارنا وسرير بروكرست

A woman illuminates herself with a candle while she prepares to sleep in a school used as a shelter after Hurricane Matthew hit Jeremie, Haiti, October 14, 2016. REUTERS/Carlos Garcia Rawlins

بنشوة ثورية، أطلق مايكوفسكي شاعر الثورة الروسية صرخته الشهيرة: "من ليس معنا فهو ضدنا". لينين، قائد الثورة، ترجم ذلك بحرفية عالية ضد خصومه، وذهب ستالين أبعد من ذلك، عندما اتهم كل من يخالفه الرأي بأنه عدو الشعب، وسار على نفس الدرب جورج بوش وغيره ممن اعتقد النظرية البروكرستية، وطبقها بحرفية عالية ضد من يخالفه وببراعة منقطعة النظير، ولمن لا يعرف لفظ البروكرستية، فإنه يشير إلى نزعة "فرض قوالب" على الأشياء -الأشخاص أو الأفكار..- أو إلى الحقائق، أو تشويه المعطيات لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مسبق.

و"بروكرست" هذا هو شخصية في الميثولوجيا اليونانية لقاطع طريق يعيش في أتيكا، وكانت له طريقة خاصه جداً في التعامل مع ضحاياه، فقد كان يستدرج ضحيته ويُضيّفه ويُكرِم وفادته، وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدي الشخصي، إنه سريرٌ لا مثيل له بين الأَسِرَّة إذ كان يتميز بميزةٍ عجيبه.. هيَ أن طوله يلائم دائماً مقاسَ النائم أيّاً كان، غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يتأتَّى لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف أطوالهم، حتى إذا ما اضطجع الضحيةُ على السرير بدأ بروكرست عمله، فجعلَ يربطه بإحكامٍ و يشدُّ رجليه إن كان قصيراً ليمطهما إلى الحافة أو يبترهما بَتراً إن كان طويلا ليَفصِل منها ما تجاوز المضجع، حتى ينطبق تماماً مع طول السرير وظل هذا دأبه إلى أن لَقيَ جزاءه العَدل على يد البطل الإغريقي ثيسيوس الذي أخضعه لنفس المَثُلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبته لينسجم مع طول سريره.

إن بروكرست مازالت روحه سارية في أجساد عربية، أبت إلا حنق محاولات الإصلاح والنقد البناء، بل الإطاحة بها من المشهد تمامًا.

وتنتهي الأسطورة عند هذا الحد، ولكن لا تنتهي المعاناة، فإن تلك الشخصية الأسطورية لم تمت إلا جسدًا، أما روحها فهي حاضرة في جسد واقعنا الذي يتشكل في أسماء وألقاب بارزة، حاضرة وبقوة في مجتمعاتنا العربية التي تعيش ككائن آلف الظلام واعتاده، فإذا ما عرضناه للنور هاجمك، وتفلت منك حتى يعود لظلامه، وهكذا يفعل البعض عندما تواجهه بحقيقة ما يمر به المجتمع من فساد وأخطاء ينبغي علينا طرحها على طاولة الفكر، ولكننا نفاجأ بردة فعله، فإنه يركلها بقسوة معلنًا أن في الظلام تتساوي الحقائق، ويتلاشى الاختلاف، وأنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، أن مجتمعنا العربي يحمل سرير بروكرست معه في كل جلسة للحوار، ناسياً أنه كما لأقدمنا مقاسات فإن لأفكارنا مقاسات تأبي المط أو التشكيل أو القولبة، فإن الفكرة وإن حبسها جسد من لحم ودم، فإنها تأبى أن تكون سجينة لحم ودم، بل إنها تسعى للإفصاح عنها وإن حاربها الجميع وطمسها البعض فترةً، وإن رموها بالرصاص، فإنها مضادة للرصاص لا تموت بموت صاحبها، بل بضعف إيمان حامليها.

خلف كل وجه مزقته المصائب وشوهته المحن فكرة، فلا تكترث للرجل، فالرجل قد يموت، قد يبدل، قد يزل، قد يبيع مبادئه، ولكن تبقى الفكة صامدة، إنها تغادر من غادرها لتستقر في عقل من قدرها. إن بروكرست وإن فني جسده، واندثر ذكره، إلا أنه مازال يحاصرنا بسلالته وأحفاده، يحاصرنا بفكرته التي تأبي أن تنام طواعية علي سرير الفكر، ولكنه ليس كالأول سرير قولبة ومط، ولكنه سرير فكر ومناقشة وحوار.

إن بروكرست مازالت روحه سارية في أجساد عربية، أبت إلا حنق محاولات الإصلاح والنقد البناء، بل الإطاحة بها من المشهد تمامًا.