نوستالجيا عبد الناصر (1)

A supporter of Egypt's army chief General Abdel Fatah al-Sisi holds a poster of al-Sisi and former Egypt president Gamal Abdel Nasser, in front of the damaged buildings of the Cairo Security Directorate (R), which includes police and state security, and Museum of Islamic Art building, after a bomb attack in downtown Cairo, January 24, 2014. A suicide bomber in a car blew himself up in the parking lot of a top security compound in central Cairo on Friday, killing at least four people in one of the most high-profile attacks on the state in months, security sources said. The poster reads " We will die and Egypt will live. Egypt is with you." REUTERS/Amr Abdallah Dalsh (EGYPT - Tags: POLITICS CRIME LAW CIVIL UNREST)
ستة وأربعون عامًا على رحيل جمال عبدالناصر، هذا الرجل الذي توفِّي فى ظروف غامضة إلى حدٍّ ما. توفِّي مؤسس الدولة الأمنية البوليسية التي ما زالت قائمة حتى الآن في مصر، وما زال لها مؤيدون ومريدون يعشقونها ويرونها الدولة المُثلَى للتقدم والرفاهية.

توفِّي الرجل الذي شيَّد سياسات وبروتوكولات سار عليها واتَّبعها كل من خلَفه في الحكم، واعتبرها مرجعه الوحيد لتسيير أمور البلاد. 

استغل مبارك والسيسي استشراء الإرهاب في سيناء؛ للبطش بكل معارضيهما من التيار الإسلامي والتيار اليساري تحت راية محاربة الإرهاب.

أفرزت هذه السياسات عدة ظواهر ظهرت في عهد عبد الناصر، وفى عهد الرؤساء الذين ساروا على نهجه، حيث شعر كل من جاء من بعده بالنوستالجيا، فعمل على إعادة عصر ناصري جديد ولكن على طريقته الخاصة، وفي هذا المقال سأتناول هذه الظواهر من وجهة نظري التي قد تصيب وربما تكون خاطئة.

– ظاهرة الوصول إلى الحكم بالقوة:
بعد أحداث يوليو 1952 تولى مجلس قيادة الثورة زمام المرحلة الانتقالية، التي كانت ستـُفضي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية وتسليم السلطة لرئيسٍ مدني منتخَب، وهنا انقسم أعضاء المجلس إلى فريقين، أحدهما يؤيد ذلك ويسعى لإقامة الديمقراطية بقيادة اللواء محمد نجيب، والآخر لا يحبذ سيادة الحرية والديمقراطية بداعي صعوبة الوقت الراهن، وتبنَّى ذلك التوجه جمال عبد الناصر ومجموعة من الضباط الأحرار، ولكن هذا الخلاف لم يدم كثيرا، حيث جاء رد عبد الناصر سريعا بالانقلاب على نجيب -أول رئيس للجمهورية- ووضعه تحت الإقامة الجبرية لعقود طويلة، ومحا اسمه من التاريخ واعتقل كل من يؤيده ويناصره في سلاح المدفعية، وتقلد زمام الأمور، وأمسك بالحكم، وصار حاكمًا للبلاد. وقد رأينا هذه الأحداث تتكرر مرة أخرى -ولكن بتفاصيل مختلفة- في 2013 على يد الجنرال عبدالفتاح السيسي الذي انقلب على أول رئيس منتخب.

– افتعال الأزمات وتجنيدها لخدمة المشروع:
بعد الخلاف الذي نشب بين عبد الناصر وقائد حركة الضباط الأحرار اللواء محمد نجيب، بدأ عبد الناصر الترتيب للانقضاض على السلطة. حيث ذكر خالد محيي الدين في كتابه "الآن أتكلم"، وكذلك عبد اللطيف البغدادي -ضابط في تنظيم الضباط الأحرار- في مذكراته، أنهما كانا يزوران عبد الناصر عندما كان مريضًا في إحدى المرات، فأخبرهم أن التفجيرات التي تحدث في وسط القاهرة إنما هي من تدبيره، حتى يشعر الناس بالذعر والخوف ويتمسكوا ببقاء الجيش أكثر في الساحة السياسية ولا يؤيدوا رجوعه إلى ثُكناته ويبقى ليحميهم، وهو ما يرجّح كفة عبد الناصر في خلافه مع محمد نجيب.

وهنا افتعل عبد الناصر أزمة الخوف والذعر من الإرهاب ليستخدمها كذريعة يتنصر بها، ويظفر بالحكم هو وفريقه الذى يبغض الحرية والديمقراطية، ويعتبرون أنفسهم أوصياء على الشعب، وأكثر حكمة وقدرة على التدبير من الشعب.

– استغلال الحوادث في قمع المعارضين:
بعد تولي عبد الناصر مقاليد الحكم بفترة وجيزة، حدثت واقعة استغلها الرجل أفضل استغلال، وسخرها لخدمة هدفه وتحقيق غايته أفضل تسخير، حيث كان عبد الناصر يلقي خطابه الشهير في منطقة المنشية بالإسكندرية وأطلق عليه أحد المستمعين ثماني رصاصات -لم تُصِبه إحداها- وتم القبض على ذلك الرجل، ليتضح بعد ذلك أنه كان من أعضاء التنظيم السِّري للإخوان، الذي كان قد تم حله من قِبل مرشد الإخوان آنذاك حسن الهضيبي، الذي استنكر ما حدث وأمر أعضاء مكتب الإرشاد -وذلك بشهادة فريد عبد الخالق عضو مكتب الإرشاد آنذاك- بمطاردة ذلك الشاب الذي كان ينوي القيام بهذه العملية.

ولكن ماذا فعل عبد الناصر تجاه حسن الهضيبي وباقي الإخوان الذين كانوا حلفاءه حتى هذه اللحظة؟ قام باعتقال كل المعارضة المتمثلة في الإسلاميين واليساريين في ما سمي بعد ذلك بضربة 1954، فذاق كل من كان يُشتبه فى أنه ينتمي للتيار الإسلامي شتى أنواع التعذيب، وكذلك طال التعذيب قيادات الإخوان كالهضيبي وسيد قطب، وكان رئيس المخابرات صلاح نصر يتفنن فى أنواع الذل والإهانة التي كان يسقيها لمعتقليه، وتخلص عبد الناصر بعد هذه الحادثة من كل معارضيه وكل رفاق ثورته على النظام الملكي، لينفرد هو ومجموعته بالحكم. وقد رأينا ذلك في عصر حسنى مبارك وكذلك فى عصر عبد الفتاح السيسى، اللذين استغلا استشراء الإرهاب في سيناء للبطش بكل معارضيهما من التيار الإسلامي والتيار اليساري تحت راية محاربة الإرهاب.

بدأت ظاهرة المشاريع الوهمية وخداع الشعب في عصر عبد الناصر، وازدهرت في عصر مبارك، وتبلورت في عصر السيسي، لتصبح أيقونة من أيقونات الحكم العسكري.

– تعيين كل من هو محل ثقة:
لم يكن عبدالناصر يستخدم رجالًا أكفاء للإدارة، بل كان يستخدم كل من هو موثوق به؛ لأن نظام عبد الناصر كان نظامًا أوتوقراطيا وكان من أساسياته استخدام السلاح والسيطرة على الحكم بالقوة. فكان لديه عقدةٌ وخوفٌ من انقضاض الجيش عليه كما فعل هو قديمًا، فعيَّن عبد الحكيم عامر قائدًا للجيش، هذا الرجل الذي لم يكن له أي علاقة بالكفاءة.

لم يكن سوى صديق لعبد الناصر ومصدر ثقة بالنسبة له، فتكبد عبد الناصر حصاد فشله وفساده وغروره وعنجهيته، حيث وصف أستاذ الطب النفسي يحيى الرخاوي ما كان يفعله عبد الحكيم عامر بأن الأمر تحت قيادة عامر كاد أن يصل إلى تسجيل الجيش المصري باسمه فى الشهر العقاري، لا لشيء سوى لأنه مقرب من عبد الناصر ومستحيل أن ينقلب عليه.

وكذلك كان باقي رجال الجيش، حيث كانت إدارة شركات البترول كلها بيد رجال الجيش تقريبا، وانخرط الضباط في العمل المدني والقطاع العام، وذلك حتى تصبح مصلحتهم من مصلحة بقاء عبد الناصر، فيستميتوا فى الدفاع عن بقائه حتى تبقى مصالحهم قائمة معه. وهذا بالضبط ما يحدث الآن في عهد عبد الفتاح السيسي، حيث تنشط المشاريع الاقتصادية والاستثمارية للجيش بشكل هيستيري، وتتولى أجهزة القوات المسلحة القيام بجميع المشاريع تقريبًا دون حتى مناقصات مع اقتصاديين آخرين.

– المشاريع الوهمية وخداع الشعب:
بدأت هذه الظاهرة في عصر عبد الناصر وازدهرت في عصر مبارك وتبلورت في عصر السيسي، لتصبح أيقونة من أيقونات الحكم العسكري. فبدأ من مشروع إنشاء محطة نووية ومضاعفة ثروة مصر البترولية في عهد عبد الناصر، مرورًا بمشروع توشكى في عهد مبارك، حتى مشروع إنشاء وكالة فضاء وعاصمة جديدة في عهد السيسي. فأصبح الكذب والخداع أسلوب حكم عند العسكر.