نور.. تحترق في الكرادة

"لا تزال نور تتذكر تلك الليلة المروعة، عندما كانت محاطةً بعشرات من جثث الأطفال والفتيات والشبان، ومن يوشكون على الموت، فيما الفوضى تعم المكان، إذ لا شيء سوى النيران ورائحة الأجساد المتفحمة".
نور فتاة في ربيعها الثالث والعشرين ذات تقاطيع مصقولة، وشعر كستنائي، وعينان صفراوان، ملامحها الناعمة تطغى عليها أنوثة غاية في الجاذبية والجمال، كانت نموذجاً للطيبة والعطف، والإيثار، نشأت يتيمة الأبوين.

تخرجت نور قبل عام من كلية العلوم، جامعة بغداد، لتلتحق بقائمة العاطلين عن العمل، شأنها شأن الآلاف من الخريجين والخريجات.
 

إن جزءاً من مأساة العراق هو أن ثروته النفطية لم تنفق في توفير مستشفيات راقية تضاهي تلك الموجودة في سويسرا، أو ألمانيا، أو أمريكا.

كانت هي وأختها الكبرى سمية -القادمة من السويد لزيارتها ومشاركتها لحظات العيد- ذاهبتان لشراء ملابس العيد لأطفال سمية، من أحد المجمعات التجارية في منطقة الكرادة ببغداد.

بينما هي تقف عند محل لبيع المرطبات، هز انفجار عنيف إحدى المجمعات التجارية، خطف وميضه البصر للحظات، وصمّ دويه الآذان، لقد كانت ملغمة مركونة أمام مجمع الليث التجاري، استهدفته في وقت الذروة، كان انفجاراً استثنائياً بنوعه، وضحاياه، وأصداءه الرهيبة لدى كل العراقيين.

تتذكر نور كيف أن الدخان ملأ المكان، كانت هناك رائحة غريبة، لم تستطع تشبيهها، بدت الأمور أكثر تسارعاً من أن تدرك نور ماذا يحدث، بدأ إدراكها بمحيطها يعود تدريجياً، أول ما رأته هو أختها سمية، كانت تكافح لأجل إخماد النيران بجسدها، رفساتها وصياحها اللاإرادية، ترعب القلب وتشل الجسد.
 

لكن مهلاً.. نور تحترق أيضاً! بدأت النيران تأكل ساقيها، لم تحرك ساكناً كما كانت تكافح سمية التي نجحت بإخماد النار بملابسها، لم تتلقى الأختان أي مساعدة من أحد فالهلع كان مسيطراً على كل شيء، ففكرة أن يموت إنسانٌ حرقاً فكرةٌ في غاية الرعب والفزع.
بينما نور مستسلمة للنيران التي كانت تصعد من ساقيها إلى الأعلى فجأة.. جائت المساعدة!

إنها يد سمية توقف تصاعد اللهب بجسد أختها الصغيرة، نجحت بإنقاذ أختها، كانتا مجهدتين وخائفتين، إرادة سمية وعزيمتها كانت أقوى بكثير من نور، فلديها السبب لتعيش.

ماهو؟.. إنها أم لطفلين جميلين، ينتظران ملابس العيد.

بقيت الأختين الحريقتين على الرصيف، لم يلتفت إليهما أي أحد، استجمعت سمية قواها، طلبت من صاحب سيارة أجرة مساعدتها لنقلها ونور بأسرع وقت إلى المستشفى، لكن المفاجأة أن صاحب "التكسي" تجرد من إنسانيته ورفض مساعدتهما من دون مقابل.

فقد طلب من الأختين مبلغ مئة دولار أمريكي، لم يكن بحوزتهما أي مبلغ إذ أن الحقائب فقدت وسط فوضى التفجير، توسلت سمية به، لكن من دون جدوى!

لاحظ السائق خاتماً ذهبياً بيد سمية، فساومها عليه.. كان خاتم زواجها، وافقت سمية على طلبه برغبة ولهفة وسعادة، لأنها وجدت ما تعطيه لهذا "المتجرد من إنسانيته" لكي يوصلها وأختها إلى المستشفى.
بعد أقل من نصف ساعة وصلتا إلى المستشفى ببغداد، إذ كانتا أول من وصل إلى هذه المستشفى، والذي لم يرده أي إشعار بحدوث انفجار هائل في الكرادة.

كان هناك حارسين على بوابة المستشفى، يتبادلان الأحاديث والتدخين، وكان المبنى قديماً، والضوء فيه يزيد الشعور بالقتامة أكثر، بدل أن يزيلها، بدا المنظر لأول نظرة شاقاً على النفس.

إن جزءاً من مأساة العراق هو أن ثروته النفطية لم تنفق في توفير مستشفيات راقية تضاهي تلك الموجودة في سويسرا، أو ألمانيا، أو أمريكا.

رفض المستشفى استقبالهما رغم أنهما كانتا وحديتين ومحروقتين، وحالتهما مروعة وصادمة. والسبب.. أنه ليس لديهم الإمكانية الطبية والعلاجية لاستقبال حالات من هذا النوع،

لحظة.. هناك سببٌ آخر أكثر قبحاً من الأول! يا إلهي.. ما هو؟

نجهل سبب ما حدث لكما في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. نحن آسفون لا نستطيع توريط أنفسنا باستقبالكما وأنتما في هذه الحالة!. إن رفض استقبال فتاتين بهذه الحالة أمرٌ مخيف لا يمكن تصوره مهما كانت الأسباب.
 
بعد أن شاع خبر التفجير في بغداد، قرر المستشفى إدخالهما على وجه السرعة لعلاجهما، بدأ توافد الجرحى وممن هم على وشك الموت بشكل "جنوني" على المستشفى، فسادت حالة من الإرباك والاضطراب.
 
لم تكن هناك أدوية كافية، أو غرف عمليات مجهزة، كما كان هناك نقصٌ كبير في الكوادر الطبية، كان نظام الرعاية الصحية الذي وجدته سمية ونور نفسيهما فيه يعمل فوق طاقته من الموارد.
أحست نور أن حياتها تنحدر إلى هوة مظلمة، فيما تردي الحالة الصحية لأختها الكبيرة سمية، يزيد رغبتها بالموت.

لم يكن هناك أحد تتحدث إليه، وحتى لو كان هناك أحد، فإنها لا تجد الكلمات التي تعبر عن إحساسها المتنامي باليأس، إنه لمن الصعب أن تتخيل حياة شابة بعمرها تنقلب رأساً على عقب، إنها لصدمة عميقة بالنسبة لشابة مثلها.
 

قصة نور، والجهود الخيرية التي بذلت لإعادة بناء حياتها، تعكس كفاح ملايين العراقيين، في بلد يعاني من العنف والإرهاب لسنوات.

وكان من الواضح أن كثيرين من المصابين بأمراض خطيرة، وإصابات بالغة، لا يمكن علاجهم في العراق، حتى لو جاءت الإمدادات بالطيران من الخارج، إلا إذا حظوا بإحدى الجمعيات الخيرية الباحثة عن العراقيين الذين أصيبوا إصابات بالغة، لتعمل على تسفيرهم إلى أوروبا أو أمريكا، للعلاج، إذ يعتمد هذا إلى حد كبير على العثور على أثرياء، كرماء، محسنين، مستعدين للاهتمام بالمحتاجين وأسرهم.

كان خميس الخنجر-وهو سياسي ورجل أعمال من أهالي الفلوجة معروف للعراقيين بثرائه وأعماله الخيرية الضخمة خصوصاً للنازحين- يتألم مثل كثير من العراقيين، بسبب حجم الضحايا الهائل والذي قارب 310 شهيداً قضى أغلبهم حرقاً بسبب ذلك الانفجار الرهيب، فقرر عمل شيء، بهذا الصدد.
وجه باستقبال كل جريح يرغب بالعلاج على نفقته الخاصة، كانت لديه الثروة، والأشخاص، لفعل شيء مؤثر، وكانت نور ممن تكفل الخنجر بعلاجهم بشكل وافي.
نقلت نور بشكل عاجل إلى أربيل عبر طائرة خاصة، وأُدخلت المستشفى بشكل عاجل، أجريت لها عشر عمليات جراحية في ساقها من ضمنها عملية ترقيع شامل، إذ أن نور تعاني من حروق حادة غطت خمساً وخمسين بالمئة من جسدها، بذل الأطباء جهوداً كبيرة في رعايتها، وأشرف كادر طبي متخصص على سير عملياتها وعلاجها.
 
وبعد شهرين من العلاج والعمليات المكلفة والكبيرة، تمكنت نور من الوقوف مجدداً على قدميها، كان شعورها بالفرحة كبيراً جداً لدرجة أنها نسيت تشوه منظر ساقها جراء الحروق والعمليات الجراحية الكبرى.

تخضع نور وإلى الآن لجلسات تقويم بدني ونفسي وذلك لإعادة دمجها في المجتمع وتكيفها مع وضعها الجديد كفتاة عانت من تغيير مفاجئ في حياتها، أما اختها سمية فنقلت إلى مستشفيات السويد لتلقي علاجها وإجراء العمليات الترقيع الجلدي لجسدها الذي عانى من حروق غطت 40 بالمئة منه.

إن قصة نور، والجهود الخيرية التي بذلت لإعادة بناء حياتها، تعكس كفاح ملايين العراقيين، في بلد يعاني من العنف والإرهاب لسنوات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أوصى دعاة فلسطينيون وعرب بضرورة تسليط الضوء على معاناة قطاع غزة، المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات، وكشف الجرائم التي يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين والمقدسات الإسلامية.

الأكثر قراءة