بطاقتي الزرقاء ليست خيانة!

blogs- بطاقة زرقاء

طالما تستفزني كمية الإهانة والإحتقار اللتان أتعرّض لهما وغالبية المواطنين العرب داخل الخط الأخضر في إسرائيل من قبل مَن هُم مختلفي القوميّة والجنسيّة عنّي، خاصةً كوني مُغتربًا في ألمانيا دومًا ما أكون معرضًا للقوميات الأخرى التي تُبغض إسرائيل وليس شرطًا أن يكونوا عربًا!

متعبٌ جدًا أن يُنظرْ إليكَ كخائِنٍ، عَميلٍ وعديم الضّمير، بسبب تلك البطاقة الزرقاء التي تحملها كنايةً عن قوميّتك الإسرائيلية وهذا ما يخلق حتمًا تناقضًا تامًا مع تبعيّتك وإنتمائِكَ القومي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، يعني أنت لا تعلم ما الذي يرقد خلف هذه البطاقة الزرقاء من الحيثيات في القرارات والأحكام، وما هي المخاطر التي قد تتعرّض لها في حال رفضت هذه البطاقة الزرقاء.
 

حسنًا، أصحاب البطاقة الزرقاء هُم مواطني إسرائيل وتشمل الأقلية العربية التي تتعدى نسبتها ال 20‏٪‏ من مجموع السكّان، والذين يتوزّعون بكثرة في منطقة الجليل والمثلث إضافةً إلى النقب جنوب البلاد، هذه الأقلية معروفة أكثر باسم "عرب ال 48" رغم أنني أكره هذا المصطلح لأن وجودنا غير مرتبط برقم، أي تفريط وإستهتار بالضبط!
 

نحن  لا نزال نحمل همّ القضية أيضًا، لا بأس بكوننا نعيش مع العدو لكننا لم نسلم من مضايقاتهم وتمييزاتهم العنصرية بكافة أشكالها ولنا مع العمر صبر طويل..

تاريخُنا مع الحرب الصهيونية حافلٌ جدًا، المقاومة منذ أوائل القرن الماضي كانت قاسية ومليئة بالخسارات، الكثير تعرّضوا للأذى والقتل والبعض منهم تمّ تهجيرهم قسرًا، استولى اليهود أنذاك على الكثير من الأراضي الفلسطينية والبيوت العربية بعد تشريد أصحابها، وتدمير مئات القرى بعضها أصبحت مستوطنات وحقول زراعية وأخرى مناطق صناعية.. وتحت هذه الظروف وبموجب معاهدة "رودس" التي سلمنا بها بقيت الكثير من المدن والقرى داخل الخط الأخضر.
 

بعض مواطني عرب الداخل يرون أنفسهم أبطال وأقوياء لأنّهم قاوموا هذا العَدَاء الشرس وَصمدوا في أراضيهم، لكن الحقيقة هُم ليسوا كذلك. أؤمن أنه لو استمرّت السياسات الصهيونية المختلفة ضد بلادنا لصارت ضحايا مثل غيرها وربّما غدونا نحن لاجئين في الشتات نعد الأيام ونجمع تفاصيل وطن يتيم لا يعرف متى يحين موعد العودة وما أتعس الذين ماتوا ولم يرجعوا! وهذا غير حقيقة أن هنالك حالات كثيرة لمصادرة الأراضي العربية تحت أكثر من 30 قانونًا يخص الأراضي، بالكاد ترى في كل بلد أراضي تعود ملكيتها لأصحاب غائبين وتمت مصادرتها من قبل إسرائيل، ففي قريتي مثلًا أراضي مُلك لأعمام أمي الذين هربوا إلى الدول المحاذية فاستولت عليها إسرائيل بالكامل.
 

مُنذ بداية مشواري الدراسي في ألمانيا، تعرّفت على زميلة تونسية في كُل مرّة تراني تضحك وتسخر مني قائلة "إسرائيلي" وكل هذا لأنني أحمل الجنسية الإسرائيلية، رغم أنّي وضّحتُ لها الأمر كثيرًا إلا أنها لا تزال مُصرّة على نعتها ذاك، مُبررة قولها ما جدوى كونك فلسطينيًا في حين أنه كُتِبَ في جنسيّتك إنك إسرائيليًا؟ مُشيرةً بقولها بأنّ عليّ أن أخضع نفسي لهذه الورقة الزرقاء خضوعًا أعمى.. ومثلها فعلوا آخرين، مهما حاولت إقناعهم لن تصرف عنهم نظرهم إليكَ كإسرائيليًا!
 

هُنالك الكثير من الحقائق حول فلسطينيو الداخل تثْبت أننا لم نتنازل عن هويّتنا القوميّة وتراثنا وعروبتنا، تحتاجٌ إلى نفس عميقٍ وحديثٍ طويل، أقلها أننا نرفض الولاء لإسرائيل.. لو يعلمون من نحن حقًا لصمتوا وخجلوا من أنفسهم قبل أن ينطقوا بأي كلمة تصدر أو صدرت منهم، فنحن لا نزال نحمل همّ القضية أيضًا. لا بأس بكوننا نعيش مع العدو لكننا لم نسلم من مضايقاتهم وتمييزاتهم العنصرية بكافة أشكالها ولنا مع العمر صبر طويل..
 

نحن يا سيدي فلسطينيون من الدرجة الأولى للآن نقاوم مهما اكتسح الهدوء الخط الأخضر، وتلك البطاقة الزرقاء بيدنا إن كُنت تراها خيانةً فأنتَ بدون مبالغة أحمق من نعامة.