شعار قسم مدونات

ذات يوم .. كان العراق عربيا سنيا

blogs-الخميني

يستغرب بعض الأصدقاء قبل أسابيع، ويتساءلون: هل يعقل أن تعلق لافتات تشتم العرب والخليج والسعودية، وترفع لافتات تمجد خميني وخامنئي وسط بغداد. وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من استعراض التحولات التي أصابت هوية العراق وأغلبيته السنية التي تم قلبها وتزويرها بشتى الطرق عقب الاحتلال الأمريكي عام 2003.
 

فالعروبة والسنية في العراق أصبحتا ورطة لمن ينادي بهما، ولئن كانت السنية تعرضت لتجريف مبكرا تحت حراب الاحتلال الأمريكي، والحكومة ذات الغالبية الشيعية، بشكل أخرجها عن سياق المؤسسة التي يحتمي بها كل العراقيين، فإن العروبة دخلت نفق الضمور تدريجيا.
 

ويعتقد كثيرون في العراق أن ذلك التغلغل مدفوع بنفوذ إيراني يتمدد من الواقع السياسي إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي، فضلا عن تأثير الزيارات الشيعية وتبنيها حكوميا لتكون طقوسا تبذل لها الأموال، ووصل التدخل في الشأن العراقي حداً، بتنا نسمع فيه شخصيات إيرانية تربط العراق بإيران علانية.
 

فمنها إعلان الجنرال محمد علي فلكي القيادي في الحرس الثوري الإيراني أن بلاده شكلت جيش التحرير الشعبي بقيادة قائد فيلق القدس قاسم سليماني، حيث يقاتل الجيش حاليًا في ثلاث جبهات هي العراق وسوريا واليمن.
 

صحيح أن الطائفة الشيعية في العراق عربية الهوية، لكن الفكر الشيعي الديني بقي وثيق الصلة بالفكر الشيعي الفارسي 

ومنها تصريحات علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني حينما قال إن إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا. فضلا عن تصريحات خطيرة دعا فيها محمد رضا رحيمي نائب الرئيس الإيراني لقيام اتحاد بين بلاد فارس والعراق لمواجهة ما اسماه رحيمي، تحديات تستهدف الشيعة في البلدين كليهما.
 

متى بدأت الهواجس؟
لم تصادر سيادة العراق ويتمزق نسيجه الاجتماعي وتعايشه المذهبي، بصورة واضحة تاريخيا إلا مرتين:
الأولى: خلال عهد غزو الدولة الصفوية الذي قام به شاه اسماعيل الصفوي ومحاولته فرض التشيع وتغيير عقيدة أهل العراق.
والثاني: مع بدء الاحتلال الأمريكي عبر الصيغة التي تضمنتها مسودة الدستور بشأن هوية العراق عقب 2003.
 

وللأسف فقد واجهت العروبة نفسها معضلة تفسيرية وتعقيدا، جاء في المادة 3 من مسودة الدستور العراقي، بحسب إشارة الباحث العراقي الدكتور لقاء العزاوي: إذ أن "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها"، وبدا هذا النص حلا توفيقيا يراعي الاعتراضات تجاه النص الرسمي الذي يجعل العرب أقلية عرقية، رغم أنهم يشكلون نحو ثمانين بالمائة من مجموع سكانها".
 

ناهيك عن أن المادة 4 من الدستور نصت على اعتماد اللغتين العربية والكردية لغتين رسميتين للعراق، مع تهميش واضح للغة العربية حيث لم يلزم الدستور باستخدامها كلغة رسمية في مؤسسات إقليم كردستان، في حين نص على اعتماد اللغة الكردية لغة رسمية في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها.
 

تاريخ العراق وعروبته
إن عروبة العراق سبقت الفتح الإسلامي نفسه في القرن السابع الميلادي، إذ يقول المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه تاريخ العرب قبل الإسلام: "وتدل الأدوات المكتشفة على قلتها، على أن شعوب الجزيرة العربية حتى في الأزمان البعيدة عن الميلاد كانت على اتصال بالعالم الخارجي، ولا سيما العراق وبلاد الشام".
 

أما الشيعة والأكراد فتباين تأثرهم واندماجهم كما يقول الكاتب غسان الإمام : إذ "إن الرفض الفارسي للعرب عبر عن نفسه بالانشقاق الديني من خلال تبنّيه المذهب الشيعي الذي ما لبث أن أصبح الدين الرسمي للدولة الفارسية في العهد الصفوي في القرن الخامس عشر. أما الأكراد فقد كانوا أكثر قبولا للتعريب من الفرس من خلال اعتناقهم المذهب السني، صحيح أن الطائفة الشيعية في العراق عربية الهوية، لكن الفكر الشيعي الديني بقي وثيق الصلة بالفكر الشيعي الفارسي بحسب تعبير غسان الإمام.
 

العراق في التاريخ الحديث
وللتاريخ فإن عام 1925 شهد إصدار أول دستور عراقي دائم للعراق، ولم يكن يتضمن أي نص حول هوية العراق أو انتمائه إلى الأمة العربية. لا نتحدث في هذا التوقيت من منطلق شوفيني، فالعراق ظل حاميا لمكوناته في أغلب تاريخه إلا استثناءات محدودة، وهكذا انقسمت بيبلوغرافيا العراق، إلى مكونات شيعية وكردية وسنية.
 

وما إن جاء عام 2006 وحدث تفجير مرقدي سامراء حتى عمت البلوى، حيث اتهمت حكومة إبراهيم الجعفري حينذاك تنظيم القاعدة به، بينما اتهمت أحزاب وشخصيات سنية، الحكومة بافتعاله لإشعال شرارة الطائفية بدليل إحراق 150 مسجدا سنيا خلال يومين عقب التفجير، ومع سيطرة جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، على مناطق واسعة، بدأت عمليات اغتيال وحشية واسعة النطاق لشخصيات سنية بتواطؤ الأمريكيين الذين كانوا يئنون من ضربات المقاومة، ووجدوا في العنف الطائفي فرصة للتخفيف عن كاهلهم، دون أن نغفل ردود تنظيم القاعدة وجماعت أخرى على هذه الطائفية بطائفية مضادة.
 

دور نوري المالكي في إقصاء السنة
مع تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء عام 2006، حتى أطلق العنان لسياسة ساهمت كثيرا في محاربة المكون السني وإضعاف الهوية العربية بإبعاد العراق عن محيطه الإقليمي والاقتراب من إيران بشدة.
 

كما تنسب للمالكي منح الجنسية العراقية لمئات الآلاف من الإيرانيين دخلوا بحجة زيارات المراقد الشيعية. وانتشار نحو 20 مكتباً للاستخبارات الإيرانية تحت مسميات مختلفة. أما النشاط الإعلامي للأحزاب والجماعات والميليشيات الشيعية فيمكن القول دون مبالغة أنها تسيطر على 50 فضائية عراقية تقريبا، وكثير من الإذاعات والصحف المحلية والمؤسسات الإعلامية.
 

مع تسلم حيدر العبادي مقاليد رئاسة الوزراء حدثت حملات تهجير وتغيير ديمغرافي هي الأوسع بتاريخ العراق، وتصاعدت موجة الطائفية وتسويق الاتهامات للمحيط العربي

وبالتزام مع هذا النهج، همّش المالكي الوزراء السنة وأحزابهم بمذكرات اعتقال وحملات إضعاف، ولذا لم يكن غريبا أن يخرج مئات الآلاف طيلة عام كامل تقريبا منذ مطلع 2013 ، في ساحات الاعتصامات السنية متأثرين بالربيع العربي، حيث الاعتصامات إعلانا سنيا واضحا لقوتهم البشرية وأنهم ليسوا أقلية كما تدعي المصادر الأمريكية والشيعية.
 

ورغم أن المطالب السنية ال14 التي نادت بها ساحات الاعتصام كانت معقولة إلا أن المالكي بعجرفته رفض القبول بها مستندا على دعم إيراني وخذلان عربي وتجاهل أمريكي للمطالب السنية. فإذا وصلنا إلى اختراق تنظيم الدولة الإسلامية لمحافظات عراقية عدة وسيطرته على أجزاء واسعة من المناطق السنية، فلا شك أنه كان علامة أخرى على مقدار التذمر السني ورفضه لممارسات المالكي ومهاجمة قوات الجيش لساحات الاعتصامات أكثر من مرة.

ومع تسلم حيدر العبادي مقاليد رئاسة الوزراء وتخلص العراق من نوري المالكي، كان ظهور الحشد الشيعي الذي دعا له المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، مظهرا جديا للانتقام من الوجود السني بحجة القضاء على "داعش" فحدثت حملات تهجير وتغيير ديمغرافي هي الأوسع بتاريخ العراق، وتصاعدت موجة الطائفية وتسويق الاتهامات للمحيط العربي، وتصدير الكراهية حتى للدور التركي مؤخرا مع الاقتراب تدريجيا من معركة الموصل مع فتح الابواب لدخول قوات إيرانية رسميا.
 

ورغم أن غالبية السنة رفضت منهج تنظيم الدولة، وفرضه رؤية أقصت كل الاطراف السنية حتى تلك المعارضة للعملية السياسية برمتها، فإن الواقع العربي والسني يتجه إلى مزيد من التأزيم والتفسخ خصوصا. 
 

لا يتسع المقام لمزيد من التفصيل وقد اختصرنا كثيرا من المعلومات خشية الإطالة وتجنبا لتعرض القاريء للملل، لكن يمكن بعد هذا التسلسل تفسير استغراب بعض المتابعين وتساؤلهم في بداية الكلام، كيف تنشر صور خامنئي وخميني وسط بغداد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.