حلب.. هذه المدن لا تموت

blogs - syria - lebanon - war
لا أقَمْنَا عَلى مَكانٍ وَإنْ طَابَ وَلا يُمكِنُ المكانَ الرّحيلُ
كُلّمَا رَحّبَتْ بنا الرّوْضُ قُلْنَا حَلَبٌ قَصْدُنَا وَأنْتِ السّبيلُ
فِيكِ مَرْعَى جِيادِنَا وَالمَطَايَا وَإلَيْهَا وَجِيفُنَا وَالذّميلُ

حلب قصدنا وأنت السبيل. حلب تباد اليوم في حملة همجية ربما هي الأكبر في القرن الحادي والعشرين لتكتب على جدار التاريخ كتاب ذل وصغار لكل من ساهم وهلل لتدميرها أو سكت عنه فالجريمة أكبر من أن تمحى  ولو بعد مئات السنين.

لئن نجت حلب من الصليبين الذين لم يتمكنوا منها رغم حصارها عام 1098م إلا أن المدينة لم تنج من همجية المغول.

لكن الناظر في التاريخ يعلم أن الطغاة كثيراً ما مروا من هنا لكنهم ذهبوا بعارهم وبقيت حلب منارةً من منارات الإسلام ومركز من مراكز حضارته.

سنستعرض في هذه العجالة صفحات من أيام حلب الحزينة التي زالت وبقيت حلب بعدها شامخةً لنعيد رسم الأمل في نفوسنا بمستقبل أفضل.

الروم يدمرون حلب:
فتح المسلمون بقيادة خالد بن الوليد حلب في عام 637 م حيث طردوا البيزنطيين منها وانتشرت العربية بسرعة بين سكانها فتطورت المدينة وشهدت أزهى أيامها في العصر العباسي الثاني في عهد سيف الدولة الحمداني حيث أصبحت قبلة للشعراء والأدباء.

إلا أن موقع المدينة في شمال الشام وعلى الحدود مع الدولة البيزنطية جعلها في حالة صراع دائم معها بل إن سيف الدولة الحمداني كما اشتهر بعمارة حلب اشتهر أيضاً بصارعه مع الروم وجهاده ضدهم.

في عام 962م حاصر الروم البيزنطيين حلب مستغلين غياب سيف الدولة وجيشه عن المدينة حيث باغتوها في غفلة من أهلها فاقتحموها ودمروها وشردوا سكانها وأعملوا السيف فيهم حتى باتت المدينة وعمرانها أثراً بعد عين خاوية على عروشها. إلا أن سيف الدولة استطاع استعادة حلب وأسعفه الزمان لإعادة إعمارها لتعود لسيرتها السابقة.

عاد الروم لاحتلال حلب عام 974 ميلادية ليستعيدها السلاجقة من جديد فدحروا الروم منها للأبد. وبعد ذلك التاريخ أصبحت الأناضول هضبة إسلامية وتوج السلاجقة توغلهم في الأناضول بمعركة ملاذكرد عام 1085م التي قسمت ظهر بيزنطة ودقت أول المسامير في نعشها.

المغول وحلب:
لئن نجت حلب من الصليبين الذين لم يتمكنوا منها رغم حصارها عام 1098م إلا أن المدينة لم تنج من همجية المغول. 

ولم تكن حال حلب حالةٌ خاصة بل إن الدمار شمل أغلب مدن الشام في زمن خزي كان حكام المدن فيه سلماً على الأعداء الذين لم يرحموا تذللهم حرباً على إخوانهم.

سقطت بغداد بأيدي المغول عام 1258م ولم يتجد من يجيب نداء استغاثتها وهي عاصمة الخلافة وتتتالى بعدها سقوط المدن بأيدي المغول وزعيمهم هولاكو الذي ظهر على أسوار حلب عام 1259م و هي تحت حكم توران شاه ابن صلاح الدين الأيوبي.

رفض الحاكم تسليم المدينة فحاصرها المغول واقتحموها واستباحوها. قتلوا الرجال ونهبوا الأموال وسبوا النساء والأطفال ودمروا قلعتها والمساجد ولم يتركوا حجراً فوق حجر فصار جنود المغول يمشون على الجثث المتراكمة في الطرقات وهذه هي عادتهم حتى وصف المؤرخ بدر الدين العيني حالتها بأنها صارت مثل الحمار الأجوف.

المؤسف أن أحداً من حكام مدن الشام لم يلبي نداء حلب علماً أن بعضهم كان من البيت الأيوبي نفسه في حال يشبه حال الفصائل المتوزعة على الأرض السورية اليوم.

لم يدم الامر طويلاً إذ هيأ الله للمسلمين بعد بضعة أشهر رجالاً في مصر لبوا نداء الأمة ورفعوا راية الجهاد وكان لسلطان العلماء العز بن عبد السلام الدور الأكبر في تجييش الناس وأصحاب الأمر من الأمراء الذين ساروا تحت قيادة قطز المملوكي فكسروا شوكة المغول في عين جالوت وتابع بعدها ركن الدين بيبرس البندقداري تحرير الشام فاستكمل تحرير دمشق وحمص وحلب من قبضة المغول خلال أسابيع من النصر في عين جالوت.

التتار في حلب:
كانت القرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر ميلادية قروناً صعبة على بلاد الشام فلا تكاد تستقر الأمور في مدنها حتى تدق طبول الحرب فيها على يد غاز جديد. هذه المرة ظهر على أبواب حلب في عام 1400م تيمورلنك الذي كان قد أظهر وقومه اعتناق الإسلام لكن ذلك لم يغير من طبيعته المتجبرة الظالمة القاتلة شيء.

اجتمع في حلب نواب دمشق وحماة وطرابلس وجيوشهم الصغيرة ولكن تجمعهم هذا لم يكن على قلب رجل واحد بل كانوا جميعاً يخشون من أن يسطو أحدهم على عرش الآخر.

خرج الجيش ومن سانده من السكان لملاقاة جيش التتار خارج المدينة وقاتلوا عنها ببسالة لكن الكفة مالت لصالح التتار وتراجع المدافعون عن حلب إلى داخل الأسوار بشكل عشوائي تسبب في مقتلة كبيرة وتبعهم تيمورلنك إليها فأحرقها ودمرها ودخل المسجد حيث اجتمع النساء والأطفال فأعمل السيف بالصغار والفاحشة في النساء بلا ستر ولا مراعاة لحرمة ولا خلق وبلغ من بغيهم أن قيل أن تلة من عشرين ألف جمجمة تجمعت في ساحة المدينة.

إنها حلب. كما عادت في سابق الزمان ستعود وأرض الشام معقلاً من معاقل الإسلام فمن قلب المحن و في البلاد القاحلة تولد الأمم الفتية الصاعدة من جديد.

ثم حاصر الجنود القلعة حيث تسور القادة فيها حتى استسلم نائب حلب وأخذ الأمان من تيمور لنفسه بعد أن ترك السكان فريسة لوحوش التتار والمدينة خاوية على عروشها لا ساكن فيها ولا مؤنس ولا إأذان ولا إقامة ولا صلاة.

عهد الاستقرار:
دخل العثمانيون حلب بعد معركة مرج دابق عام 1516م وسط ترحيب السكان بهم و بالفعل عاشت المدينة سنوات طويلة من الاستقرار في عهدهم بفعل أنها أضحت مدينة داخلية بعيدة عن الثغور كما أن الدولة العثمانية استطاعة عموماً حماية المشررق الإسلامي من أي غزو خارجي قادم من أقاصي الجبال أو البحار فاستعادت المدينة أهميتها و نشاطها التجاري الذي تميزت به نتيجة موقعها المهم وأصبحت خلال العصر العثماني المدينة الثالثة من حيث الأهمية في السلطنة بعد إسطنبول و القاهرة.

في العصور الحديثة:
شكلت ولايتي حلب ودمشق الجزء الأكبر من سوريا الحديثة بحدودها المعاصرة مع العلم أن ولاية حلب العثمانية انقسمت أراضيها بين تركيا و سوريا ما أضعف من دورها لصالح دمشق. ولا شك بأن التنافس السياسي والاقتصادي بين حلب و دمشق أدى لإضعافهما أمام القوى العسكرية الصاعدة التي سيطرت على سوريا ما بعد الاستقلال لتحمل الأيام لحلب ما لم يتوقعه أحد إذن أن التدمير الوحشي الذي طالها في هذا الزمان كان بفعل أبناء نفس البلد و المنطقة الذين جمعوا حولها الرعاع من كل البلاد واستنجدوا بالغزاة الروس ليستمروا على كراسيهم وإن كلف ذلك تدمير البلاد فوق رؤوس ساكنيها.

إنها حلب. كما عادت في سابق الزمان ستعود و أرض الشام معقلاً من معاقل الإسلام فمن قلب المحن و في البلاد القاحلة تولد الأمم الفتية الصاعدة من جديد.