الدرس الأول

blogs - student
ما زلت أذكر موقفا رواه لنا أستاذ حاصل على درجة الدكتوراة في اللغة العربية حينما كنت في الجامعة، أخبرنا قائلا: راقبت طفلي أثناء حله لواجباته المدرسية، في مساق اللغة العربية للصف الثالث الابتدائي، ولاحظت خطأ في سؤال ما، فقمت إلى تصحيحه، لكن ابني رفض ذلك رفضا قاطعا، رغم كل محاولاتي بإقناعه، إلا أنه أصر بأن معلمه من كتب تلك الأسئلة، وأنه لا يمكن أن يعطيه معلومة خاطئة.

تساءلت في نفسي عن كمية الثقة التي يضعها هؤلاء الصغار في معلميهم وكتبهم حتى لم تعد قابلة للنقاش، لكني أدركت حينها معنى أن يعمل الداخل والخارج من أجل تغيير المناهج وتعديلها، هم يدركون بأن الأجساد الصغيرة تمتلك أدمغة أكبر من حجمها، مفتوحة على مصراعيها تلتقط ما يخطون على صفحات كتبهم بشراهة. بل ويدركون أن هؤلاء الصغار، يتخذون تلك الكتب مرجعا ومنهاجا لا يمكن أن يحمل الخطأ في جعبته، لأن أسس الصواب والخطأ عندهم ما زالت قيد الإنشاء، لكن هؤلاء الأطفال لا يدركون كم تحمل طيات الورق من سم بين أحشائها، تتطلب أن تمتلك الأسرة مصلا قويا تواجهه به.

تلك المناهج والدروس لا تعلم أطفالنا الحساب والعد ولا القراءة فحسب، إنما تملأ فراغ عقولهم، وتبني فيهم لب أفكارهم ومعتقداتهم

إذاً كيف ستقنع طفلا في سنته الأولى في المدرسة، أن آداب الطعام لا تقتصر على عدم الحديث أثناء الأكل، أو غسل اليدين قبله، كيف ستقنعه بأن يأكل بيده اليمنى ويذكر اسم الله إن لم يذكر مؤلفو الكتب ذلك! تراه يختبئ خلف حقيبة كتبه منذ السادسة صباحا وحتى منتصف النهار، يردد الكلمات ويرقب الصور ويقلب الصفحات، بينما تنسخ كل فقرة وجملة في رأسه.

يخبره الدرس الأول أن عليه أن يلقي التحية بقول "مرحبا"، وحين يعود إلى بيته تحثه أمه على قول "السلام عليكم" حين دخوله للمنزل، يقف الصغير بين الموقفين، حيث في الجهة الأولى عشرات الكتب، والأطفال في عمره، والمعلمون والصور والألوان، وكلمات رددها ألف مرة، وعلى الجهة الأخرى تقف أمه التي أخبرته بما لديها سريعا بينما تعد طعام الغداء، لتكون أولى كلمات الطفل عند تعارض أقوال كتبه مع أقوال أمه "لا هيك الأستاذ حكى"، لا يقبل الحديث ولا النقاش.

ليس ذلك فحسب، بل إنه لا يقبل النسيان، فعقله الذي يشبه مساحات من الأرض لا نهاية لها، إذا ما غرست في طينه غرسة أبت أن تقتلع، فظلت تنمو وتتغذى على ماء أفكاره ومعتقداته، حتى تضرب بجذورها عمق تفكيره. تلك المناهج والدروس لا تعلم أطفالنا الحساب والعد ولا القراءة فحسب، إنما تملأ فراغ عقولهم، وتبني فيهم لب أفكارهم ومعتقداتهم، فإن أنشأتهم كما تريد، أنشأت مجتمعا كاملا يحمل أهدافها ويستقي من روحها.

كل كلمة، وكل صورة، وكل كتاب، يبني رجلا أو امرأة، إنما على أي الأسس يبنيها، هل على أسس تتوافق مع ثقافة المجتمع وتعاليم دينه، أم على شفا جرف هار ينهار بالأجيال التي نحلم بمستقبل واعد بين أيديهم!